شهيد الإبعاد .. المجاهد القائد خليل القوقا

شهيد الإبعاد .. المجاهد القائد خليل القوقا

أ.د.أحمد محمد بحر
2005-11-09

أ د أحمد محمد بحر حين يضيق أعداء الإسلام ذرعا بكلمة الحق ولا يستطيعون مواجهة الحجة بالحجة يحاولون استيعاب دعاة الحق استيعاب يراد منه تذويب الهوية الإسلامية وتشويه صورتها لخدمة…

أ.د. أحمد محمد بحر*

حين يضيق أعداء الإسلام ذرعاً بكلمة الحق .. ولا يستطيعون مواجهة الحجة بالحجة يحاولون استيعاب دعاة الحق ، استيعاب يراد منه تذويب الهوية الإسلامية وتشويه صورتها لخدمة مصالحهم وعروشهم .. يريدون إسلاماً أمريكياً صهيونياً لضرب الإسلام المتطرف كما يزعمون .. فإن لم يستطيعوا تنفيذ خطتهم الماكرة لجأوا إلي السجن أو القتل أو الإبعاد كما وصف القرآن الكريم خطة كفار قريش في القضاء على دعوة محمد صلى الله عليه وسلم " وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ " الآنفال 30

وهذا ديدن أهل الباطل في كل زمان ومكان لا يريدون الطهارة أن تسود في المجتمع فهذا يقلقهم ويقض مضاجعهم ، لأنهم لا يعيشون إلا في مستنقع الرذيلة والقذارة و، فبمجرد أن نصح لوط عليه السلام قومه باجتناب الفاحشة ، إذ بهم يأمرون بإخراجه وإبعاده عن أرضه " وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ " الأعراف 80 – 82

ورحم الله الشهيد سيد قطب حين عبر عن هذا المعنى في ظلاله وقد استوحاه من قوله تعالى " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا " الفرقان 31

فقال " فطبيعي إذن أن يبرز المجرمون للأنبياء والدعوات دفاعاً عن وجودهم ، واستبقاء للجو الذي يملكون أن ينتفعون منه ، وبعض الحشرات يختنق برائحة الأزهار العبقة ، ولا يستطيع الحياة إلا في المقاذر ، وبعض الديدان يموت في الماء الطاهر الجاري ولا يستطيع الحياة إلا في المستنقع الآسن ، وكذلك المجرمون فطبيعي إذن أن يكونوا أعداء لدعوة الحق يستميتون في كفاحها وطبيعي أن تنتصر دعوة الحق في النهاية " .

لأجل ذلك أبعد المجرمون رسلهم وأنبياءهم وصالحيهم عن أرضهم قال تعالي " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ " إبراهيم 13-14

وفي ظني أنه للسبب نفسه أبعدت دولة الكيان المسخ الشيخ المجاهد القائد  خليل القوقا في 11 / 4 / 1988 م خارج فلسطين يوم أن حمل أمانة الإسلام وساهم في تربية جيل النصر القادم مع شيخه وأستاذه الإمام أحمد ياسين ، فكانت البداية منذ بناء المسجد الشمالي حين كان سقفه الجريد وأرضه من الحصير لقد شهد هذا المسجد الصغير في بنائه العظيم برجاله بداية زرع البذرة الأولى لشباب الدعوة من خلال المحافظة على صلاة الفجر في جماعة ، وعقد حلقات القرآن الكريم والتجويد ، وإقامة الندوات والاحتفالات بالمناسبات ودروس الوعظ والإرشاد ، ودروس التقوية للطلاب ، وممارسة الرياضة وألعاب القوى ، والرحالات داخل فلسطين ، وكان للشيخ خليل أبو إياس اليد الطولي في الإعداد وتربية وتوعية الجيل الأول للدعوة من خلال خطبه القوية ومحاضراته التعبوية التي تشحذ الهمم وتستثير العواطف ، وتحرض على مقاومة الاحتلال ، ولا ينسى أحد درسه الإيماني المفيد بعد صلاة الجمعة حيث كان يتجمع شباب وشيوخ منطقة الشاطئ للاستماع إليه ومن ثم الإجابة على أسئلتهم واستفساراتهم ومناقشاتهم التي كانت تدور حول آخر المستجدات على الساحة الفلسطينية ، لقد أصبح لقاء الجمعة اجتماعاً مشهوراً لدى أوساط الشباب يحرصون على حضوره لما له من فائدة عظيمة في تثقيفهم وتوعيتهم وصقل أفكارهم ، وتعميق روح الأخوة بينهم لمواصلة الطريق نحو تحقيق النصر والتمكين لهذا الدين لقد كان رحمه الله دائماً يردد أمام الشباب قوله تعالى " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا " الكهف 28 .

من المحطات المضيئة في حياة شهيدنا أبي إياس تأسيس الجمعية الإسلامية سنة 1976 م بإيعاز من إمام الأمة الشيخ أحمد ياسين رحمه الله ليصبح أمينها العام الأول ، فقاد السفينة بنجاح وأرسى قواعدها في أنحاء القطاع ، فكانت مأوى للعاملين في حقل الدعوة الإسلامية يمارسون من خلالها أنشطتهم الثقافية ، والدينية والاجتماعية ، والتعليمية والصحية ، والرياضية ، إن من أهم الأنشطة البارزة التي قام بها شهيدنا إقامة المخيمات الصيفية التي كانت تحتضن الشباب في صيف كل عام ، تأخذ بأيديهم إلى بر الأمان من خلال برامج متنوعة تربطهم بالعقيدة وحب الوطن ، فكانت تلك المخيمات النموذج الرائع التي يقتدي بها كيف لا والجمعية أول مؤسسة شرعت بهذا النشاط المتميز .

وشهيدنا رحمه اله هو الذي سعى بكل جد ونشاط لتكون الجمعية من أوائل المؤسسين لرابطة أندية القطاع ، فكان تأسيس نادي الجمعية الإسلامية منذ ميلادها ; الفرق الرياضية ، ألعاب القوى ، فريق الملاكمة ، السباحة ، سباق الدراجات ، وهو رحمه الله أول من بدأ بإقامة مهرجان رياضي على أرض ملعب اليرموك ، والمسمى بسداسيات الربيع والتى يتم عقدها بين فرق المساجد الرياضية على مستوى القطاع في إجازة الربيع من كل عام تبدأ انطلاقة المهرجان بحشد جماهيري واسع تتقدمه الكشافة ثم تنتهي بحشد أكبر يتم فيه توزيع الجوائز والأوسمة والدروع على الفائزين ، لقد تجذر حب الوطن في قلب شهيدنا وارتسمت خارطة فلسطين على قسمات وجهه الوضاء فكان دائم الإصرار على ترجمة هذا الحب ونقله إلى قلوب الناس جميعاً ، وخاصة الزائرين والعائدين إلى الوطن في العطلة الصيفية فكانت الرحلات المميزة لهؤلاء الزائرين والذي كان يسميهم رحمه الله – الطيور المهاجرة ، العائدة – رحلات تجوب مدن وقرى فلسطين من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها لربطهم بتراب الوطن الحبيب ، وخاصة الشباب الذين لم يروه ولم يعرفوه إلا بالسماع ليظل حب الوطن والتمسك به منغرساً في قلوبهم وجوارحهم ، لقد كان لهذه النشاطات وغيرها للشهيد أبي إياس أن حقد عليه اليهود وحاولوا تشويه صورته ، والترصد له فسجن وعذب على أن ينالوا من عزيمته وإرادته ولكن دون جدوى ، فما كان من الصهاينة إلا أن هدموا مباني الجمعية عام 1981 م، وحرثوا بدباباتهم أرض ملعبها حتى تندرس معالمه دون الاستفادة منه ومن ثّم كان الإبعاد خارج الوطن في 11 / 4 / 1988 م ومن تلك المحطات لشهيدنا مساهمته في تأسيس النشاط الطلابي يوم أن كان معلماً في مدارس وكالة الغوث للاجئين ، فكان رحمه الله يجمع طلاب المدرسة ويصلى بهم صلاة الظهر جماعة في داخل غرف المدرسة أو خارجها ، ويلقي الدروس الدينية ، ويحيي المناسبات ، ويؤم الطلاب إلى المساجد كل في منطقته ثم يتقابل معهم في المسجد ويعطيهم دروس التقوية في المسجد الأمر الذي لم يعجب رئاسة الوكالة فنقلته إلى دير البلح وإلى بيت حانون عقاباً له فكان هذا النقل نعمة جديدة لتلك المنطقة وذلك بإحياء النشاط الإسلامي فيها .

لقد كانت له وقفات كثيرة من أهمها الجامعة الإسلامية ، فقد كان له دور بارز منذ تأسيسها يوم أن حاولت الأطراف الأخرى اليسارية والعلمانية تغيير أسم الجامعة فوقف موقفاً صلباً من خلال لقاءاته وخطبه وندواته في المحافظة على اسم الجامعة وفلسفتها الإسلامية وكان الموقف البطولي الرائع حين حاصرت قوات الاحتلال الصهيوني الجامعة  ،فكان رحمه الله يجوب مساجد غزة يحرض الناس على اليهود عبر ميكروفون المسجد يدعو الناس لنجدة الجامعة والالتفاف حولها والخروج بمسيرات لفك الحصار عنها ، وفعلاً فقد انسحب جيش الاحتلال عن الجامعة .

لقد عاش شهيدنا حراً أبياً مجاهداً عنيداً في الحق لم تلن له قناة رغم عذابات السجون الإسرائيلية والعربية والتي كانت أشد قسوة وضراوة عليه ، ألم به المرض ، وحاصره القهر فمات غريباً شهيداً معطراً برائحة المسك بعيداً عن أرضه ووطنه وأحبابه نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحد كان أمله ووصيته أن يجمع الله رفاته بأرض فلسطين التي أحبها وأحبته ، نسأل الله أن يستجيب دعاءه وأن يحقق أمنيته وما ذلك على الله بعزيز .

فسلام عليك يا أبا إياس ، وإلى أن نلقاك في الفردوس الأعلى على سرور متقابلين إنه ولي ذلك والقادر عليه .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الجامعة الإسلامية - غزة – فلسطين*

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026