إلى عيدنا

إلى عيدنا

د.عطا الله ابو السبح
2005-11-01

ها هو رمضان يمضي بكل إشراقاته الإيمانية والروحانية يمضي رمضان وقد حمل شهادته علينا وحتما قال وسيقول منهم الصوام القوام ومنهم المفرطون في كل شيء وفي بعض الأشياء يمضي رمضان الذي…

ها هو رمضان يمضي بكل إشراقاته الإيمانية ، والروحانية، يمضي رمضان وقد حمل شهادته علينا، وحتماً قال، وسيقول منهم الصوّام القوّام ، ومنهم المفرطون في كل شيء، وفي بعض الأشياء ، يمضي رمضان الذي شهد نزول الفرقان ذلك الكتاب أللا ريب فيه، والذي لو أخذنا به لتغير حالنا إلى غير الحال الذي نعاني ، ولاتضح السبيل، وظهر الهدف، وتوحدت القلوب، ولشاع الأمن والانضباط بدل هذه الحيرة، وذاك التخبط، وبدل هذا التيه، والتحلل والانفلات، وما يرافق كل ذلك من رعب، ورغبة أكيدة في الهروب، أو الانعتاق، مضى رمضان الذي شهد انتصار المستضعفين على الطغاة المستكبرين، الذين لا يرجون لله وقاراً، ولا يقيمون للعدالة ميزاناً، ولا ينشرون لها ديواناً، وأما أولئك فاستقاموا فأسقاهم ربهم ماء غدقاً ، ودانت لهم الرقاب، مضى رمضان الذي شهد دخول الناس في دين الله أفواجاً ، بعد أن جاء الحق، وزهق الباطل، وقد أيقنوا بوعد الله غير المكذوب المشفوع بقسم إلهي (ولينصرن الله من ينصره) مضى رمضان وقد شهد الحب في قلوب المؤمنين، وقد نبذوا الخصام والفرقة والتنازع ، نبذوا الدنايا، وسفاسف الأمور ، وأشبعوا شهواتهم بالطيبات، وهذبوا نظراتهم بالتفكر والتدبر والاعتبار، وسمت عزائمهم وتيقظت هممهم فكانوا أرجى للنعيم المقيم من عرض إلى زوال، فجعل ذلك منهم سادة بعد أن كانوا لا شأن لهم، ولا وزن، مضى رمضان برحماته وأرحامه، بعطفه وعفته، مضى رمضان التوحيد والوحدة، مضى رمضان الذي تشف فيه الروح وتسمو وتسمو حتى تعانق السماء، مضى رمضان الذي شهد السلام بكل معنى جميل له ، لا الذي نراه من استلاب واحتراب، من نزق ومجون، مضى رمضان الذي شهد العناق الحقيقي ما بين السماء والأرض، والرحلة الأروع والأطهر لجبريل عليه السلام إلى سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ، يعلمه كيف يعلمنا ويرشده إلى ما ينبغي ، وما يبغي الإله الصمد الرحيم، مضى رمضان بلياليه العذاب، والتقاء الحبيب بالحبيب، رمضان الأطفال الذين يضاهئون الكبار، عبادة وصلاة وصوماً وتسابق في الخيرات، مضى رمضان الذي يترقب فيه الجمع الكريم (الله أكبر) بصبر جميل وينفذ فيه هذا النشيد العلوي إلى سويداء القلوب، قائلاً لا كبير إلا هو، ولا مشرع إلا هو، وما دون ذلك صغار، وضلال وهوى، مضى رمضان الأمانة فلا خيانة عِرض أو مال أو عقل، أو وطن، مضى رمضان غض البصر، وكفّ الأذى، والسلامة من إثم، والفوز بكل بر، والنجاة من النار، مضى رمضان عدو الزور والغيبة والنميمة ، والكذب، مضى رمضان مهذب النفوس والمحببها بالخير والنصير للنفس اللوامة حتى لتنهزم أمامه النفس الأمارة بالسوء، وتنكمش وتخسأ ، مضى رمضان تاركاً أثراً من نوره في قلوب المخلصين الناشدين العزة والتمكين ، الناظرين إلى المعالي، تاركاً أثراً في قلوبنا أن صلوا الأرحام، وبروا الوالدين، تاركاً نوره في صدورنا لنرى به الشهداء ونقرأ كتابهم المنظور، نرى شلال دمائهم ، نرى أمهاتهم الثكلى وزوجاتهم (الأرامل) نرى أولادهم، نعيش لهم دمعهم، نرسم على شفاههم بسمة الأمل، وعلى وجوههم البشْر بأن الدنيا لا زال الخير فيها، بما فيها من صالحين، تاركاً في عقولنا فهماً لهذا الدين العظيم، الذي ما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، وما ترك شراً إلا منه لنكون خير أمه، تاركاً في بصائرنا قدرة على النظر بنور الله، فنرى الغشاء الرقيق الذي يفصل بين ذوي الأحلام والخلق الحميد وبين المتزلقين والمنافقين الذين يلبسون لكل مجلس لبوساً، ويصبغون وجوههم بكل صِباغ ويتصدون لكل صادق ، يكذبونه ، يغرون به سفهاءهم ، يتغامزون ، يرمونه بكل سخيف من فعل أو قول، يختلفون عليه رغم أنهم يعمدون إلى مسوح الأولياء الزهاد، يلوكون آيات الله ويتخذونها جنّة ، وفي أيديهم (مسابح) ويعكفون على العبادة (الحقيقية!) وهم ألدّ الخصام، وإذا تولوا سعوا في الأرض ليفسدوا فيها وأهلكوا الحرث والنسل، رغم أن الله جل في علاه لا يحب الفساد، وحذّر منه ولكنهم -وقد حسبوا انهم يصنعون حسنا تمادوا في غيهم وفي حربهم على الحق واهله تاركا في افئدتنا حبا لا يدانيه حب لاهل القرآن وخاصته اولئك الذين كانت فضيضة "عن الشر اعينهم ،والذين اكتهلوا في شبابهم ،من الذين ما خاضوا ولا رتعوا ،احبوا السابقين فتمنوا ان يكونوهم ،خاصة وان "السبق "صفات لو اجتمعت لا مرئ لكان من السابقين وان جاء بعدهم بالف او بالاف السنين ،كما ان (المشأمة ) صفات كذلك ،فمن اتصف بها كان من اصحابها ،وكانت له السموم الحميم والظل الذي من يحموم غير البارد ،وغير الكريم ،حيث تقلب وجوه الكافرين في النار لانهم اطاعوا السادة وكبراء المفسدين فاضلوهم السبيلا ،ولا يجيب لهم المنتقم الجبار مسألة وهم يجأرون (ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا " ذهب رمضان نازعا من قلوب المؤمنين الغل على اخوانهم ،بواسع رحمته ،ورأفته ...مضى رمضان لتأتي ،ها هو يوسع لك المكان ويخلي لك السبيل ،ولا يمكن ان يوسع رمضان الا لغال عزيز ،ينهج الصالحون فيه ما نهجوا في رمضان ذهب ببركاته لتحل انت ببركة اخرى وبامل جديد ،بالتكافل ،والتحابب ،والتواصل ،بالطيب من الرزق والطيب من القول وقد هدى المؤمنون الى صراط مستقيم ،فانفقوا على من له الحق واشفقوا على اصحاب المعاصي والذنوب ،لتتصافح فيك القلوب قبل الاكف ،ويلهج الجميع بالله اكبر الله اكبر لا اله الا الله ليؤكدوا ان لا  كبير الا الله وما دونه صغار ،وفي ذلة ومهانة ان نازعوا الله عظمته وكبرياءه ،تلهج السنتهم فيك بالدعاء ان يتحرر الاقصى ،وان يطلق سراح الاسرى ،وان يطهر ارضنا من رجس يهود والصهاينة والمتصهينين وليطوفوا ببيوت الشهداء ،ليؤكدوا ان المسلمين تتكافأ دماؤهم ،وهم يد على من سواهم ،ويسعى بذمتهم ادناهم ،مذكرين الكون كله بعدالة السماء ،ووجوب المساواة واحقاق الحقوق لاهلها ،من غير ما سرف ولا منه ،ومن غير غرور او انانية ومن غير استعلاء او صلف ،مذكرين بان الشقاء لمن حاد عن درب محمد صلى الله عليه وسلم الذي صدقه الله وعده واعز بهذا الدين جنده وهزم الاحزاب وحده ...عازمين على الا يعبدوا الا اياه ،رافعين لواء هذا الدين ولو كره الكافرون ،ومؤكدين انهم وراث حضارة رسم دربها وملامحها اصحاب محمد وانصار محمد وال محمد وازواج محمد وذرية محمد عليه الصلاة والسلام ،وعليهم من الله الرضوان.

ذهب رمضان ليفسح لك المكان فاهلا بك رغم الالم ،ورغم الاحزان والدموع ،ورغم الشتات والسجون ،ورغم فراق الاحبة رغم معاناة الاسير ، اهلا بك لانك تذكرنا بهم ،وتقوي من عزائمنا وذاكرتنا الا ننساهم والا فنحن خونة لا نستحق ان تحل بديارنا ،ولا نستحق الكرامة ...انت عيدنا ونحن بك جديرون اذا ما اعتزمنا بادابك واحكامك ،والا فلا ينبغي لنا ان ننعم بك ونعوذ بالله من ذلك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026