الإعلام الإسلامي المقاوم.. الفلسفة والمنهج

الإعلام الإسلامي المقاوم.. الفلسفة والمنهج

د. نهاد الشيخ خليل
2013-06-09

جدول عادي يتصور بعض أننا إذا أنشأنا مؤسسة إعلامية وفصلنا فيها بين الجنسين وخصصنا مسجدا للصلاة وقرأنا القرآن في الصباح وأفردنا مساحات معقولة للشيوخ والوعاظ وامتلكنا الروح الفدائية…

يتصور بعضٌ أننا إذا أنشأنا مؤسسة إعلامية، وفصلنا فيها بين الجنسين، وخصصنا مسجدًا للصلاة، وقرأنا القرآن في الصباح، وأفردنا مساحات معقولة للشيوخ والوعاظ، وامتلكنا الروح الفدائية، وأكثرنا الحديث عن الشهداء والمقاومين الأبطال؛ يعتقد هؤلاء أننا إذا فعلنا ذلك فإننا قد قطعنا شوطًا كبيرًا على طريق تحقيق المنهج الإسلامي المقاوم في العمل الإعلامي، لكن الحقيقة غير ذلك.

يتضمن هذا المقال مجموعة من الأسس الفكرية والمنهجية، التي يجب توافرها في أي عمل إعلامي؛ حتى يكون جديرًا بحمل صفة "إعلام إسلامي مقاوم"، أسوقها هنا راجيًا أن تكون موضوعًا للنقاش، لعلنا نستطيع أن نساهم معًا في بلورة فلسفة ومنهج للإعلام الإسلامي المقاوم.

أولًا: يمكن تعريف الإعلام الإسلامي المقاوم بأنه إخبار عن واقع، وتبليغ دعوة، وتبشير بأمل ومستقبل، ودعوة للجهاد والتحرير، ونقل معلومات مدعمة بالدليل والبرهان، يساهم في تثقيف الناس وتنويرهم وتثويرهم، يُحرِّم الانتقائية في نقل المعلومات، ولا يبتر الحقائق، ويتجنب الدعاية التي تسوِّق الأوهام، ويركز على القول السديد والطيب والحسن، ويرمي إلى الإصلاح، وينهى عن الكذب.

ثانيًا: لما كان القرآن هو المصدر الرئيس للهداية والبيان والتبليغ؛ فإن أي مصدر تبليغي إعلامي يجب أن يتبع نهج القرآن، ونسوق هنا مثالًا من هدي القرآن في التعامل مع الآخر، فنجد أن الآخر محل اعتراف، ويأخذ حقه كاملًا في التعبير عن ذاته ورؤاه، ونرى أن النص القرآني ليس متعاليًا بحيث يغيب فيه الآخر ويُقصى، أو يُعرض بشكل مشوَّه.

القرآن الكريم فيه استحضار كبير للآخر، والمدقق يلاحظ أن الحوارات الواردة في القرآن الكريم تشتمل على 50% من مضمونها حججًا للإيمان، والـ50% الأخرى هي حجج الكفر، وتجد في القرآن الكريم صوت الكافر والمسيحي واليهودي والبخيل والفاسد.

يستحضر القرآن الكريم كل تلك الآراء بقوة، وبأخلاقية عالية، ودون بتر، ويعطي الفرصة الكاملة لعرض الفكرة بوضوح وقوة وجمال، ومن طريف ما قرأت أن سيرة ابن هشام تشتمل على ألف بيت من الشعر، نصفها في مديح الإسلام، ونصفها الآخر في هجائه.

ثالثًا: الإعلام الإسلامي المقاوم يجب أن يتعامل مع الإنسان انطلاقًا من كونه صاحب إرادة وعقل، يضع أمامه الحقائق كاملة، ويقدم الشروحات المتنوعة والمتباينة للأخبار والأحداث، ويمنح الإنسان الفرصة الكاملة للاختيار الحر، ويتجنب منطق الوصاية على عقول الناس، ويرى أن حجب المعلومات، أو تقديمها بشكل منقوص، أو اتخاذ قرار بعدم تعريض الناس لشيء من المعلومات؛ هو منهج غير إسلامي، يعيبه القرآن وينتقده.

رابعًا: يجب أن يحرص الإعلام الإسلامي المقاوم وهو يقدم الحقائق للناس على ألا يستنزف أحاسيس الناس ومشاعرهم، وألا يرتفع بها إلى مستوى كبير من التوتر والقلق؛ لأن هذا من شأنه أن ينقل الناس إلى حالة من الإحباط واليأس وعدم المبالاة والعجز.

وهنا يجب التركيز على تقديم الأخبار والأحداث بطريقة تُحصِّن العقل والنفس، وتُبصِّر الناس بما يمكن عمله من أجل تحقيق أهدافهم، والوصول إلى مبتغاهم.

خامسًا: يجب أن يركز الإعلام الإسلام المقاوم على الابتعاد عن التضخيم والمبالغة، وهو يعرض الصور الإيجابية عن الواقع، أو من التاريخ، بل يجب أن يعمد بمنهجية إلى تأسيس حالة من التواضع. وعندما يتعرض للسلبيات والانتقادات عليه أن يبتعد عن التحقير أوالتهويل أو التهوين والتبرير، بل عليه أن يعرض الأخطاء والأخطار بعلمية وبوضوح وقوة، مترافقة مع توضيح الطرق التي يجب أن يتبعها الناس لتخليص أنفسهم من الضعف والأخطار والأضرار.

سادسًا: يجب على الإعلام الإسلامي المقاوم وهو يتصدى لمحاولات التخذيل والتشويه أن يتمتع بالتفوق الأخلاقي، وأن يبتعد عن الإسفاف، أو مقابلة السيئة بمثلها، بل عليه الاعتصام بتقديم المعلومة والصورة في الوقت المناسب وبشكل متواصل، وأن يكون تقديم المعلومات للناس من باب الإيمان بحقهم في المعرفة، وليس في سياق الدفاع عن الذات، ويجب على الإعلام الإسلامي المقاوم أن يعمل على الحفاظ على السلم الأهلي، وتحقيق الوحدة بين مختلف شرائح المجتمع، رغم محاولات الخصوم جر الناس إلى الخصام والفتنة والبلبلة.

سابعًا: يجب أن يساير الإعلام الإسلامي المقاوم العصر، وأن يعبر عما يجيش في خواطر الناس، وأن يناقش جميع مشاكلهم مهما بلغت درجة حساسيتها، فالقرآن الكريم ناقش مشكلة التحرش الجنسي في قصة سيدنا يوسف بعيدًا عن الإسفاف أو إثارة الغرائز، وناقش الموضوع نفسه في قصة الإفك وانعكاساته الاجتماعية، والإرباك الذي حل بالمجتمع، وسجّل القرآن نقدًا وعتبًا بحق الرسول (صلى الله عليه وسلم).

وفي الختام: هل نراعي هذه الأسس؟، أم أننا ننوي فعل ذلك؟!

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026