حينما تخيم فكرة أصيلة في عقل انسان ويتشربها قلبه وتمتزج بدمه تصبح من أهم الممكنات الحياتية لهويصبح انتزاعها مساويا لخروج الروححينها فقط يكتب لذلك الانسان خلود الدارين وهذا لسان…
حينما تخيّم فكرة أصيلة في عقل انسان ويتشربها قلبه، وتمتزج بدمه تصبح من أهم المُمكنات الحياتية له،ويصبح انتزاعها مساوياً لخروج الروح،حينها فقط يكتب لذلك الانسان خلودُ الدارين، وهذا لسان حال أسيرنا البطل، فالقيد الذي حفر الخنادق حول معصميه بعد اثني عشرَ عاماً من الاعتقال المتواصل فحاصرهما لم يفلح بمحاصرة روح تحيا العطاء وعقل يأبى الفناء ولسان لا يفتأ يردد ( والموت في سبيل الله أسمى أمانينا )
الأسير القائد محمد ناجي صبحة أو -خلية النحل - كما يحلو للبعض وصفه،فهو لا يجلس إلا للكتابة التي خصصتُ لها مقالي هذا، فلستُ بصدد الحديث عن محمد الانسان ذو المشاعر المرهفة أو رجل السياسة المحنك أو القائد بالفطرة بل هي محاولة لتسليط الضوء على الناحية الفكرية والثقافية من هذه الشخصية الفذة.
إن اهتمام الأسير محمد بالكتابة والكتاب لا يُعد مستغرباً ولا مستهجناً،فهو الابن الأصغر من الذكور لوالدٍ قضى حياته بين رفوف المكتبات قارئاً ومرشداً ومعلماً،فلقد كان الأستاذ ناجي صبحة الحاصل على شهادة الماجستير يُلقب بموسوعة الجامعة - كيف لا وقد قضى أكثر من عشرين عاماً مسؤولاً لقسم المراجع في مكتبة جامعة النجاح الوطنية ليعود في المساء لمكتبة دار الفكر التي كان يمتلكها ليبيع الكتب والأشرطة الإسلامية هذا بالإضافة إلى المكتبة التي كان يقتنيها في بيته بمعدل لا يقل عن ثلاثة آلاف كتابا،فنشأ محمد محباً للعلم مدركاً لأهميته منذ نعومة أظفاره.
لم يكتف هذا الشاب بالعلم المُفضي لأحسن القول،بل رُزِق اتباعه أيضاً، وحوّل نظريّه إلى واقع يُعاش ففكر وأبدع، وعمل فأحسن، فجمع بين قوة الفكرة وضوحها وبين زند المقاومة وبارودها،وهو اليوم عضو الهيئة القيادية العليا لأسرى حماس في السجون ورئيس اللجنة الثقافية فيها..
ألقت هذه الخلفية الثقافية بظلالها على عمله كمُقاوم،فآمن بأهمية الجانب النظري في العمل المقاوم،وأنه مشروع حياة وطريق حرية، وهو تاريخ وحاضر ومستقبل، وأن هذا المشروع يستحق بذل الجهد في دراسته واستقصائه، والبحث في سبل نجاحه وإعادة النظر –دورياً في أساليبه وأدواته واستشراف مستقبله وما ينتظره وإنتاج الأبحاث والدراسات التي تفضي إلى ملاحظات واستنتاجات وتوصيات تبيّن سلبه وإيجابه فتعمل على الإرتقاء به وتصويب مساره، فتكون بذلك مقاومة ممنهجة تقف على أرضية معرفية صحيحة وقوية،وفي هذا تحقيقاً لمبدأ بذل الوسع والطاقة الذي نادى فيه القرآن الكريم " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوّف إليكم وأنتم لا تظلمون " الأنفال 60
وانطلاقاً من هذه المقدمة في أهمية الجمع بين الجانبين الفكري والعملي للمقاومة شرع الأسير أبو مؤمن بتأليف أول سلسة له والتي كانت تحت عنوان " نحو وعي فلسطيني مقاوم " والتي حوت أربع كتب:
(1) أمن المطارد : فيه يتحدث الكاتب عن تعريف المطارد وسماته المثلى وأهم سبل تحقيق الأمن له لتحويل نقاط ضعفه إلى نقاط قوة يؤذي بها عدوه.
(2) حرب العصابات بين النظرية العلمية والتطبيق الفلسطيني : وهي دراسة من تقديم الدكتور أحمد نوفل يسعى من خلالها الكاتب إلى إلقاء الضوء على أبرز تجارب (حرب العصابات الحديثة )وإجراء مقارنة سريعة بين النظرية العملية لهذه الحروب والتطبيق الفلسطيني لقواعدها.
(3) صفحات من جهاد أبناء القسام بجزئيه الأول والثاني : وهو كتاب يجمع فيه الأسير قصص هؤلاء الأبطال من شهداء وأسرى وكل ما قدموه من تضحيات لا يعرف بعضها أبناء الشعب الفلسطيني فضلاً عن أبناء الشعوب الأخرى.
(4) الخيانة سرطان الشعوب
ثم أتبعها بسلسة آخرى بعنوان ( نظريات في عمليات المقاومة )تحوي كتباُ ثلاثة،وتبحث السلسة في أشكال المقاومة وعناوينها:
(1) صناعة الحياة : ويحمل هذا الكتاب مضونه في عنوانه حيث يتحدث عن عمليات الخطف وما تمثله من خلق حياة جديدة لمن هم خلق القضبان.
(2) بارود القسام : ويتحدث عن عمليات اطلاق النار
(3) براكين المقاومة : ويتحدث عن العمليات الإستشهادية
هذا بالاضافة إلى بعض المؤلفات الأخرى مثل كتاب دليل الأسير الذي يُعتبر الأول من نوعه ويسلط الضوء على خلاصة تجارب الأسرى الفلسطينين في كيفية إدارة الحياة التنظيمية داخل الأسر و كتاب اضراب الكرامة بالمشاركة مع الاستاذ فؤاد الخّفش مدير مركز أحرار
وهي دراسة تؤرخ وتذكر كل تفاصيل معركة الأمعاء الخاوية التي خاضها الأسرى في معركة الكرامة من تاريخ 14-4-20012 إلى 15- 5-
وكتاب عبرات على الضريح الذي يتحدث فيه عن سيرة أحب الناس الوالد المجاهد المربي ناجي صبحة
وأخيراً أنقل لكم دعوة الأسير المفكر محمد صبحة – أبو مؤمن –لكل من ملك القدرة أو الخبرة، أن تقدّم وسطّر تجربتك، واكتب ما تخدم به حركتك وأمتك.. فلعل تلك السطور تكون سبباً في حفظ دم المجاهد أو إطالة عمر خليته.. أو صون جهد من الضياع.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع