(إسرائيل) بين زلزال الثورات العربية والخلل الإستراتيجي

(إسرائيل) بين زلزال الثورات العربية والخلل الإستراتيجي

خالد وليد محمود
2013-04-23

أدت البيئة الإستراتيجية الجديدة منذ انطلاق الثورات العربية أواخر عام بدءا من تونس مرورا في مصر ثم اليمن وليبيا وسورية إلى دخول إسرائيل في أتون منطقة جديدة تختلف عن التي ألفتها…

أدت البيئة الإستراتيجية الجديدة منذ انطلاق الثورات العربية أواخر عام 2010 بدءا من تونس مروراً في مصر ثم اليمن وليبيا وسورية؛ إلى دخول (إسرائيل) في أتون منطقة جديدة تختلف عن التي ألفتها لعقود مضت. وأجمعت تحليلات الخبراء والإستراتيجيين في (إسرائيل) على أن الشرق الأوسط القديم قد اهتز، وأن الوضع المترتب على ذلك سيكون خليطا بين القديم والجديد، وأنه في الأغلب لا يمد (إسرائيل) بعنصر للاطمئنان فيما يتعلق بمصالحها الكبرى وبالتالي فإن هذا المجال الجديد الذي طرأ على البيئة الإستراتيجية ما زال يصعب سبر أغوارها ورسم مسار التغيرات التي ستلحق بها وتؤثر في الثوابت الإستراتيجية – الأمنية الإسرائيلية التي وضعت في العقود الثلاثة المنصرمة.

إذ إن الأزمات العاصفة التي تجتاح الشرق الأوسط عقب سقوط الرئيس مبارك في مصر- الحليف الاستراتيجي لإسرائيل- و سقوط نظام القذافي، وتفاقم الأزمات في اليمن والبحرين وسوريا، جعلت خبراء الأمن في (إسرائيل) يتفقون على أن الشرق الأوسط القديم قد اهتز، وأن الوضع المترتب على ذلك سيكون خليطاً بين القديم والجديد، وأنه في الأغلب لا يمد الدولة العبرية بعنصر للاطمئنان فيما يتعلق بمصالحها الكبرى سيما فيما يتصل بالحفاظ على معاهدات السلام الموقعة بينها وبين كل من مصر والأردن. والحفاظ على توازن القوى الذي كان قائماً بين معسكر المعتدلين الذي كانت تقوده مصر والسعودية والأردن، ومعسكر المتطرفين بقيادة إيران وسوريا المتحالفتين مع حزب الله في لبنان وحركة حماس في غزة. وضمان التنسيق الأمني مع واستمرار حشد التأييد من جانب معسكر الاعتدال العربي والحفاظ على العلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، وعدم تشكل محاور إقليمية جديدة تعتمد على تنسيق واسع بين قوى إقليمية كبرى..كل هذه المؤشرات تأتي فيما لا تشتهي (إسرائيل). فمراكز الأبحاث الإسرائيلية تعترف بذلك ولهذا تدعو صناع القرار في (إسرائيل) إلى إعادة صياغة إستراتيجيتها ونظريتها الأمنية لمواجهة هذه التحديات، كما ظهرت دعوات لدى النخبة الإسرائيلية تنادي بضرورة تطوير نظرية أمنية تلائم التغيرات والتحولات التي تجري في المنطقة.

مراكز الأبحاث الإسرائيلية سعت إلى التأكيد على أن "الاضطرابات وليس الثورات كما أطلقوا عليها" في العالم العربي تعزز الفكرة القائلة بأن القضية الفلسطينية ليست هي السبب في عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، بل الاستبداد السياسي والفقر، الأمر الذي اقتضى أن تتوجه الدبلوماسية الإسرائيلية إلى تكريس هذه الفكرة، لاسيما أن القضية الفلسطينية من وجهة النظر هذه لم تكن بارزة في شعارات هذه الثورات.

وتعمّق الخوف الإسرائيلي ببعض المظاهر الرمزية مثل تهديد حزب الله باحتلال الجليل، كما لا يوجد خلاف في (إسرائيل) حول ماهية التهديد الذي يشكله حزب الله. التهديد واضح ومحدد ومعروف، وقد تحدث رئيس الاستخبارات العسكرية، اللواء أفيف كوخافي، عما يقرب من مئة ألف صاروخ موجود في حوزة حزب الله. وترى تقارير إسرائيلية بأن الواقع الأمني في الساحة السورية بات أعقد بكثير مما يتراءى للعين، وقد تكون هذه الساحة هي الأكثر إشكالية، قياساً بالساحات الأخرى المحيطة بإسرائيل. أما ما سيحدث في هذا البلد، والنتائج المتوقعة للحرب الدائرة فيه، فمسألة خارجة عن أطر التقدير والتحليل: ومن يدّعي بأن لديه فكرة كيف ستبدو سوريا في اليوم الذي يلي الأسد، وتبعاً لذلك كيف ستبدو الحدود معها، فهو إما نبي، وإما مشعوذ، إذ إن عدد السيناريوهات غير محدود، لكن القدر المتيقّن هو أن (إسرائيل) آمنة نسبياً، طالما أن الاقتتال الداخلي في سوريا متواصل. وخلال ذلك، لا يوجد سبب للقلق إلا من نقل أو انزلاق وسائل قتالية متطورة إلى حزب الله، أو سقوطها في أيدي الثوار. وتنظر (إسرائيل) إلى الوضع مع شبه جزيرة سيناء بأنه بات معقداً من ناحية أمنية، والتهديدات تتعاظم، مع إمكانية شن هجمات وتنفيذ عمليات خطف. أما مرابطة الوحدات العسكرية هناك، والتي كانت تعد في الماضي مرابطة استجمام، فتحولت إلى مرابطة حقيقية من كل النواحي: الوسائل القتالية والموازنات والقوة البشرية.

خلاصة الحديث أن للثورات العربية تداعيات ستطال (إسرائيل) ونظريتها الأمنية وتفتح المجال أمام عدد من التغييرات المباشرة وغير المباشرة مثل تراجع مشروع التسوية السلمية مع الأنظمة العربية، وتهديد اتفاقيات السلام سواء بالتعديل أو الإلغاء أو التجميد ربما، وكذلك تراجع وتعطُّل عملية التطبيع بين الأنظمة العربية و(إسرائيل) ومن المرجح أن يميل التوجه الإسرائيلي إلى مزيد من الانغلاق والانعزال واليمينية خاصة وأن (إسرائيل) تعيش أزمة عدم مشروعية وعدم قبول في المحيط الذي أوجدت نفسها فيه. من هنا فالبيئة الأمنية لإسرائيل بسبب موجة المد الثوري باتت مهددة أكثر من أي وقت مضى، وأن هذا الوضع سيكون له تداعيات إقليمية واسعة، قد يؤدي على المدى القريب والمتوسط إلى تكوّن إقليما جديدا مختلفا غير خاضع للهيمنة الأمريكية التي تصب في مصلحة (إسرائيل) وأمنها أيضا.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026