دماء غالية

دماء غالية

د.خالد الخالدي
2005-10-14

د خالد يونس الخالدي الدم الأغلى في ميزان الله تعالى هو دم المسلم لذلك حرم سبحانه قتل المؤمن وعده من الكبائر التي تخلد مرتكبها في نار جهنم كما حرم على المؤمنين قتل أنفسهم وتوعد من…

د.خالد يونس الخالدي

الدم الأغلى في ميزان الله تعالى هو دم المسلم، لذلك حرَّم سبحانه قتل المؤمن، وعدَّه من الكبائر التي تخلِّد مرتكبها في نار جهنم، كما حرم على المؤمنين قتل أنفسهم، وتوعد من يقدم على ذلك بالعذاب الشديد يوم القيامة، كما أكد ربنا عز وجل على حرمة دم المسلم ومكانته فيما أوحاه  إلى رسوله الكريم من أحاديث إذ يقول صلى الله عليه وسلم{لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق}، وقد شرع الله تعالى عقوبات جازرة لمن يقتل مسلماً، إذ أمر بقتله حداً إن كان القتل عمداً، وبدفع دية كبيرة، إن كان القتل خطأ، إضافة إلى صيام شهرين متتابعين.

وقد لاحظ المسلمون الأوائل شدة حرمة دم المسلم وعظم مكانته عند الله تعالى من كثرة النصوص الواردة حول الموضوع في الكتاب والسنة، فأدركوا قيمة المسلم ومكانته، وحافظوا عليه، وظهر ذلك واضحاً في أقوالهم وأفعالهم ومواقفهم، إذ يقول عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-"{ والله لو أن أهل عرصة شاركوا في قتل مسلم لحكمت عليهم جميعاً بالقتل}.

وتروي المصادر التاريخية أن معاوية بن أبي سفيان-رضي الله عنه- أرسل إلى عمر يستأذنه ببناء أسطول يمكن المسلمين من ركوب البحر ومقاتلة الروم الذين يغيرون على سواحل الشام ثم يهربون في البحر ولا يستطيع المسلمون منعهم، فبعث عمر إلى واليه على مصر عمرو بن العاص-رضي الله عنه- يطلب منه أن يصف له البحر والسفن، لأنه عاش كل حياته في مكة والمدينة ولا يعرف عن السفن شيئاً، فبعث عمرو -الذي لم تكن خبرته في البحر أفضل من عمر بكثير- يقول{ يا أمير المؤمنين إني رأيت خلقاً عظيماً يركبه خلق صغير، ليس إلا السماء والماء، إن ركن خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، إن مال غرق، وإن نجا برق}، فخاف عمر-رضي الله عنه- على المسلمين، وبعث إلى معاوية يقول{ لا والذي بعث محمداً بالحق، لا أحمل فيه مسلماً أبداً، وتالله لمسلم أحب إليَّ مما حوت الروم، فإياك أن تعرض لي، وقد تقدمت إليك}، وعندما تولى عثمان بن عفان-رضي الله عنه- الخلافة، كرر عليه معاوية الطلب، وكان تاجراً يعرف البحر والسفن، فبعث إلى معاوية يسمح له ببناء أسطول، لكنه يشترط أن يخيِّر الناس ولا يجبرهم على ركوب البحر، وقد أنجز معاوية أسطولاً ضخماً هزم به الروم وفتح قبرص وجزراً أخرى وحمى أرض المسلمين.

وكتب عمرو إلى عمر يستأذنه بالتقدم نحو إفريقية(تونس) لفتحها، ويشجعه على ذلك ويقول{ إن الله قد فتح علينا طرابلس، وليس بينها وبين إفريقية إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها ويفتحها الله على يديه فعل}، فاستشار عمر الصحابة، فخوفوه من صعوبة تضاريسها، وغدر أهلها، وشدة بأسهم، فخاف على المسلمين، وبعث إلى عمرو يقول{ لا، إنها ليست بإفريقية، ولكنها المفرقة، غادرة، مغدور بها، لا يغزوها أحد ما بقيت }.

إن إدراك عمر-رضي الله عنه-لفضل الجهاد والاستشهاد، وما أعده الله للمجاهدين من جنات ونعيم، لم يمنعه من تأجيل غزو أو منع أمر يشعر أن فيه خطراً محققاً على المسلمين، لأنه يعلم أن دماء المسلمين غالية وأنه يجب ألا تهرق إلا إذا غلب على الظن أنها ستحقق نصرا،ً أو تحدث في العدو نكاية تقرب النصر.

وكتب التاريخ مليئة بالمواقف التي تدل على أن حب الجهاد والاستشهاد لم يمنعا قادة المسلمين في بعض الأحيان من اتخاذ قرار بالانسحاب وعدم المواجهة حفظاً لدماء جنودهم الغالية وأرواحهم الثمينة، فقد انسحب خالد بن الوليد من معركة مؤتة عندما وجد أن الاستمرار في القتال سيؤدي إلى إفناء جيشه، وعدم تحقيق النصر، وقد أقره على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

ويروى أن عقبة بن نافع –رضي الله عنه- قد تعرض هو ونحو خمسة آلاف من جنده أثناء عودتهم مظفرين من فتوح المغرب الأقصى سنة63هـ إلى كمين لقوات مشتركة من الروم والبربر الذين كانوا تحت قيادة كسيلة بن لمزم، وكان عددهم خمسين ألفاً، ولم يكن أمام عقبة وجنوده إلا أن يقاتلوا لأنهم حوصروا، فتمكن الأعداء من قتل عقبة ومعظم جنده، ثم توجهوا نحو القيروان التي كان يتولاها بأمر من عقبة زهير بن قيس البلوي، ولم يكن مع زهير إلا بضعة آلاف من الجنود، فلما علم بما حدث مع عقبة، وبتوجه جيش كسيلة نحو القيروان، وقف في الناس خطيباً وقال{ يا معشر المسلمين، إن أصحابكم قد دخلوا الجنة، وقد منَّ الله عليهم بالشهادة، فاسلكوا سبيلهم، ويفتح الله لكم دون ذلك}، فلم يعجب هذا الرأي الصحابي حنش الصنعاني الذي كان مسناً حكيماً محباً للجهاد، حيث قال{ لا والله ما نقبل قولك ولا لك علينا ولاية ولا عمل أفضل من النجاة بهذه العصابة من المسلمين إلى مشرقهم. ثم قال يا معشر المسلمين من أراد منكم القفول إلى مشرقه فليتبعني}، فاتبعه الناس ولم يبق مع زهير إلا أهل بيته، فنهض في أثره ولحق بقصره ببرقه. لكنه عاد سنة 69هـ على رأس جيش تمكن من إلحاق الهزيمة بالروم والبربر وقتل زعيمهم كسيلة وتحرير القيروان.

ومثلما حافظ المسلمون على جنودهم حافظوا بدرجة أكبر على قياداتهم، وذلك لعلمهم أن استشهاد القادة يضعف المعنويات ويؤثر صف المقاتلين، فقد روي أن أبا بكر الصديق –رضي الله عنه- كان على رأس الجيش الذي توجه لقتال المرتدين في ذي القصة قرب المدينة، فطلب منه المسلمون أن يعود إلى المدينة حتى لا يصيبه مكروه، ويكون الخطر على الإسلام والمسلمين كبيراً، لكنه أبى وأصر إلا أن يكون في مقدمة المجاهدين، فشكى الناس ذلك لعلي بن أبي طالب –رضي الله عنه- فجاءه علي وقال له{ أقول ما قاله لك النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، يا أبا بكر شِم سيفك، ولا تفجعنا بنفسك، وعد إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك، لا يقوم للإسلام بعدك نظام أبداً}، فعاد أبو بكر إلى المدينة، مثلما عاد إليها عندما طلب إليه النبي العودة، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فلولا وجود أبي بكر بعد وفاة النبي لفتن المسلمون، ولما قضي على الردة والمرتدين.

يتبين مما سبق ضرورة أن يحافظ القادة على أمن وسلامة جنودهم وأنفسهم، وألا يدفعهم حب الشهادة إلى التفريط بأمنهم، وليتعلموا ذلك من سيرة نبيهم وكبار أصحابه الأفضل منا جميعاً والأحرص على الإسلام، والأكثر حباً للجهاد والاستشهاد، ولتتوقف مظاهر الاستهتار بالأرواح والدماء، وليستفاد من الأخطاء، وكفى لدغاً من الجحر نفسه مرات ومرات، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026