انضباط البطون والأبضاع شرط النهوض من الذلة والضياع

انضباط البطون والأبضاع شرط النهوض من الذلة والضياع

د. يونس الاسطل
2005-10-11

يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم المائدة قد يكون مستغربا أن أدخل للحديث عن بعض أسرار…

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } المائدة (94)

قد يكون مستغرباً أن أدخل للحديث عن بعض أسرار ركنية الصيام بآية تتعلق بالصيد وحرمته على المحرم بحج أو عمرة، ولكن العجب يزول إذا علمنا أن صيد البر قد حُظر مؤقتاً إمساكه وتناوله ما دمتم حرماً، سواء ناله المحرم نفسه بيديه أو برماحه ، أو كان قد صيد من أجله ، وكذلك الإمساك عن المفطرات، فقد حُظلت مؤقتاً من الفجر إلى غسق الليل في أيام معدودات في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

وقد نزلت هذه الآية في شأن الحديبية، إذ حِيل بين الرسول والذين آمنوا معه وبين البيت العتيق حتى أوشك أن ينفد ما عندهم من الزاد، فأراد ربك أن يبلغوا الدرجات العلا في السمو عن شهوات النفس، أو الركوع لسلطان الجوع، فأرسل الصيد تحوم حول معسكرهم ، وكان بوسعهم أن ينالوا صغاره بأيديهم، وأن يمسكوا كباره برماحهم ، غير أن أحداً منهم لم يفعل فاستحقوا أن يمنّ الله عليهم بالفتح المبين، والنصر العزيز، ولا نعجب ممن صاموا عن محظورات الإحرام أن يتدافعوا للبيعة على الموت تحت الشجرة، لأن من انتصر على نفسه في الجوع انتصر عليها عند ملاقاة الجموع، فإن شهوة البطن من شهوة الحياة، فإذا رخصت أمام جيوش المخمصة هانت على صاحبها في سبيل الله، ومن حرص على الموت وُهبت له الحياة، كما أن الذين يفرون من الموت يفرون إليه، فإنه ملاقيهم، وشتان بين أحرص الناس على حياة، وأحرص الناس على الحياة في جوار الله، إذ الشهداء من فورهم يدخلهم الجنة عرّفها لهم.

إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعلمون وهم في ذلك الامتحان أنّ بني إسرائيل قد ابتلوا بمثله فلم يصبروا ، فجعل منهم ربهم القردة ، والخنازير، وعبد الطاغوت ، حيث عاقبهم على رفضهم اتخاذ الجمعة يوم عيد وراحة، وإصرارهم على السبت لبعض الأساطير المهيمنة على أدمغتهم ، عاقبهم بتحريم الصيد والعمل مؤقتاً في ذلك اليوم، وقد ابتلاهم بمجئ الأسماك يوم سبتهم شرّعاً فوق الماء بحيث تناله أيديهم وشباكهم، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ، فاحتالوا إذ لم يصبروا على الحرمان من تلك الوجبة، فألقوا شَرَكَهم يوم السبت، وأخرجوه في اليوم التالي، فكانت أشأم مائدة عليهم، فقد أصبحوا وقد مُسخوا قردة خاسئين، أو كان ذلك مصير شبابهم ، بينما آل شيوخهم إلى سحنة الخنازير.

وكان سبحانه قد قصّ على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار حين فتن الشيطان أبويهم، فأخرجهما مما كانا فيه من الأكل رغداً حيث شاءا، قص عليهم أن قربان الشجرة المحرمة، والأكل منها، هو السبب في شقائنا جميعاً، إذ كان لآدم ألا يجوع فيها، ولا يعرى، وأنه لا يظمأ فيها، ولا يضحى، ومن هنا كانت البطون أول الأسباب فيما نحن فيه من الضنك والعذاب.

فهل يعقل أن يقع فيها الصحابة تحت ضغط النَّصَب والمخمصة؟ ان من اهم ما يستوقفنا في هذه الاية ذلك التعليل للابتلاء بالصيد وهم محرمون"ليعلم الله من يخافه بالغيب " فهو لتربية المهابة من الله ،ولغرس الوجل والاشفاق في نفوس المؤمنين ،والمراد بالعلم هنا ان يميز من يخافه بالغيب للاشهاد من الملائكة الكرام ،وغيرهم من المخلوقات والانام ،والا فان الله عليم بذات الصدور .

ان هذه الحكمة تجري في كل المحرمات المؤقتة ،سواء كانت طعاما او مناما ،او غيره ،ومن المعلوم ان الطعام من المباحات التى تمس الحاجة اليها ،فاذا استطاع المرء الفطام عنها حين تحرم في ايام معدودات ،كان اقدر على التجافي عن المحرمات المؤبدة من باب اولي ان ما يقال عن شهوة الامعاء يقال عن شهوة الابضاع،فهي محرمة مؤقتا في الصيام ،وفي الاحرام ،ليعلم الله من يخافه بالغيب ،وقد كانت السبب الثاني في شقاء البشر ،كما كانت اول فتنة عن العاكفين على العجل من البقر .

الم تعلموا ان اباكم آدم قد اخذ على ابنيه موثقا ،ان يقربا قربانا ،فمن تقبل قربانه فهو الاحق بالفتاة الوضيئة المتنازع عليها من قبل قابيل وهابيل ،فلما تقبل من احدهما ،ولم يتقبل من الاخر قال لاقتلنك ،فطوعت له نفسه قتل اخيه فقتله ،فاصبح من الخاسرين ،ومن هنا وقع الافساد في الارض ،وسفك الدماء ،فشقيت البشرية  من تلقاء تلك الشهوات .

كما ان بني اسرائيل كانوا يوما قد فضلوا على العالمين ،يوم كان فيهم امة يهدون بالحق ،وبه يعدلون ،وكان فيهم أئمة يهدون بامرنا لما صبروا ،وكانوا باياتنا يوقنون ،فلما عبدوا السبيلين وكانت اول فتنتهم في النساء ،نزع الله جل وعلا عنهم رداء الخيرية ،وجعل اكثرهم شر البرية ،فهم اليوم شر الدواب عند الله ،هم والمنافقون من هذه الامة ،لانهم اخوانهم في التآمر على دين الله واوليائه ،بينما المؤمنون هم خير البرية ،وهم خير امة اخرجت للناس ،فكانوا جديرين بالاستخلاف ،وتمكين الدين ،وان يعيشوا في الارض آمنين .

ان هذا هو التفسير المنير لامتداد الصحوة الاسلامية في الارض ،وبالاخص في الارض المباركة ،في بيت المقدس واكناف بيت المقدس   ،فقد مضى على قادة الحركة الاسلامية وابنائها الكرام يعلمون انفسهم وذويهم وذراريهم ومن يليهم ،كيف يكون الانتصار على الاعداء بالانتصار على النفوس ،وهزيمة الشهوات المحرمة مؤقتة او مؤبدة ،فلما غيرنا ما بنفوسنا من التيه الى الهدى ،ومن الرضا بالحياة الدنيا الى السعي للاخرة ،غير الله ما بنا ،فاخرج عدونا من اخوان القردة والخنازير من ديارنا لاول الحشر ،وقذف في قلوبهم الرعب ،يخربون بيوتهم بايديهم وايدي المؤمنين ،وان موعدهم مع الحشر الثاني في الضفة الغربية ،واما الثالث والاخير فهي معركة الاثخان فيهم التى تشرد بهم من خلفهم على ابواب القدس

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026