ها هي انتفاضة الأقصى الباسلة تطوي خمسة أعوام من الجهاد والمقاومة والبطولة والتضحيات هاهي الانتفاضة تمثل اليوم أمامنا بكل تفاصيلها وألآمها ومعاناتها تمثل أمامنا كشريط طويل من…
ها هي انتفاضة الأقصى الباسلة تطوي خمسة أعوام من الجهاد والمقاومة، والبطولة والتضحيات.. هاهي الانتفاضة تَمْثُل اليوم أمامنا، بكل تفاصيلها وألآمها ومعاناتها.. تَمْثُل أمامنا كشريط طويل من الأحداث الجسام، التي عصفت بمنطقتنا خلال الأعوام الخمسة الماضية، شريط مسربل بالدماء والأشلاء، وركام البيوت المدمّرة، والمزارع المجرّفة، لكنه شريط يحمل أوسمة البطولة، والكرامة، والعزّة، لأبطال حملوا الراية، ومضوا بها يقاتلون، لايثنيهم، ولايرهبهم عن ذلك، وحشية العدو، ولاهمجيته الشيطانية الموغلة في الشر، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلاً.
إن أقواماً من بني جلدتنا، وممّن يتكلّمون بألسنتنا، كانوا في كل يوم من أيام الانتفاضة يطرحون علينا تساؤلاً مفاده ماذا قدّمت الانتفاضة لنا ولشعبنا غير الدماء والأشلاء، وغير المعاناة والخسائر؟!.. كانوا يسهمون -بقصد أو بغير قصد- في تخذيل شعبنا، وإضعاف معنوياته، طارحين شعار "عدم عسكرة الانتفاضة"، وكانت العمليات العسكرية – وخصوصاً الاستشهادية منها - موضع هجاء، ونقد، من طرفهم.
واليوم، نقف معكم في الذكرى السنوية الخامسة لانتفاضة الأقصى وقفة تأمل وتقويم، مجيبين على ذلك السؤال، الذي بقي يتردد منذ اليوم الأول للانتفاضة وحتى الآن.
لقد حققت الانتفاضة إنجازات عظيمة وهائلة، ولعلّ أكبر إنجازاتها تمثّلت في أنها دفعت المشروع الصهيوني على أرض فلسطين للتراجع والانكفاء، فقد بدأ هذا المشروع الاستيطاني الاستعماري الإحلالي في أوائل القرن العشرين بزخم كبير، وبدعم مطلق من الاستعمار البريطاني – حينذاك-، وطرح بعض منظّريه، أن أرض "إسرائيل" هي من النيل إلى الفرات، أي أوسع من أرض فلسطين بحدودها التاريخية، وتدرّج الصهاينة في بناء مشروعهم الاستعماري، فبدأوا باحتلال الجزء الأكبر من فلسطين عام 1948 (أي نحو 78% منها)، ثمّ استكملوا احتلالهم للبقية الباقية من الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، وأضافوا إليها احتلال سيناء المصرية، والجولان السورية.
واليوم، وبعد أكثر من سبعة وخمسين عاماً على الاحتلال الصهيوني، هاهو المشروع الصهيوني يتراجع وينكفئ تحت وطأة الانتفاضة العظيمة، ومقاومتها الباسلة، ولعلّ أهم ملمحيْن أساسييْن في هذا التراجع
لجوء الكيان الصهيوني إلى بناء الجدار العازل في خطوة وإن بدت أمنية الطابع، ولكنها غنيّة بالدلالات السياسية، فهذا الكيان اضطر إلى إقامة جدار وسياج عزل خلفه أبناء مجتمعه عن أصحاب الأرض الأصليين، وهو ما أدانه المجتمع الدولي من خلال قرار محكمة العدل الدولية، قاضياً بعدم شرعية بناء الجدار، مظهراً الوجه العنصري الحقيقي لهذا الكيان.
الاندحار الصهيوني من قطاع غزة، والذي تمثّل بتفكيك المستوطنات، ورحيل جنود الاحتلال وقواته، وهنا ينبغي التوقف عند دلالة تفكيك المستوطنات، التي مثّلت على الدوام ركيزة أساسية من ركائز الاحتلال الصهيوني.
إن الحقيقة التي ينبغي أن يقرّ بها الجميع، أن هذا العدو ماكان له أن يندحر من قطاع غزة مذموماً، مدحوراً، مهزوماً، لولا الانتفاضة والمقاومة.
وعلينا أن نستذكر أن اتفاق أوسلو، وما أنتجه من اتفاقات تفرّعت عنه، لم تدفع الاحتلال إلى تفكيك مستوطنة واحدة، بل إن قادة الكيان الصهيوني استمروا في بناء مستوطنات جديدة.
إن انتفاضة الأقصى شكّلت انعطافة كبرى في تاريخ الصراع مع الاحتلال، وإن الاندحار الصهيوني من قطاع غزة مثّل أهم إنجازاتها، التي لايمكن التقليل منها بحجة وجود سلبيات علقت بها، فالانتفاضة هي عمل بشري يخضع للصواب والخطأ، ولايمكن أن يتّسم بالكمال.
وينبغي هنا الإشارة بوضوح إلى أن الاندحار الصهيوني هو بداية تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني لأهدافه الاستراتيجية، وهو بداية النهاية للمشروع الصهيوني الاستعماري إن شاء الله.
وإن ذلك يعني بوضوح كذلك أن راية المقاومة ينبغي أن تبقى مرفوعة خفّاقة، وأنّ سلاح المقاومة ينبغي أن يبقى مشرعاً في مواجهة الاحتلال.
لذا، فإن الدعوات التي تنطلق بين حين وآخر تطالب نزع سلاح المقاومة، أو ترفض الجمع بين المقاومة والعمل السياسي، هي دعوات مرفوضة، ولعلّ آخرها تصريحات كونداليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية، التي أطلقتها يوم أمس، متهمة حماس بأنها حركة إرهابية، وأنه ليس مقبولاً منها أن تجمع بين المقاومة والعمل السياسي.
ونقول لرايس إن حماس هي حركة مقاومة للاحتلال، ينطبق عليها ما ينطبق على الحركات التي قاومت الاحتلال على مرّ العصور، ولايمكن لأيّ جهة كانت أن تحول بينها وبين الاحتلال، الذي أباحت الشرائع السماوية والأرضية مقاومته بكل الوسائل المتاحة.
إننا ومنذ رحيل قوات الاحتلال عن قطاع غزة، نلحظ تآمراً صهيونياً-أميركياً-إقليمياً على المقاومة الفلسطينية بشتى فصائلها وراياتها، ولعلّ جريمة جباليا، التي كانت حادثاً مفتعلاً يقف وراءه الكيان الصهيوني، سبقه وأعقبه عمليات اغتيال لناشطين وكوادر من فصائل المقاومة، ثم جاء العدوان على قطاع غزة، كرسالة دموية جديدة من شارون إلى أهلنا وشعبنا في القطاع الصامد، مفادها أن قطاع غزة ينبغي أن يخرج من دائرة الصراع نهائياً، وأن يتحوّل إلى كيان شبيه ببعض الكيانات العربية المحيطة بفلسطين، يقوم الحاكمون فيه بمهمة حماية الاحتلال وحراسته، وأن ثمن مشاركة أهل القطاع في أي عمل تضامني مع إخوانهم في الضفة الغربية، سيدفعونه باهظاً من أمنهم واستقرارهم.
إن استهداف حماس، إنما يأتي باعتبارها عنواناً بارزاً من عناوين الانتفاضة والمقاومة، وهو الأمر الذي لم ولن يتوقف عندها، فالاستهداف طال كتائب شهداء الأقصى، وسرايا القدس، وكتائب أبو علي مصطفى، وكل الذين يضغطون على الزناد، ويقاومون الاحتلال.
إذا كان العدو واضحاً في معركته معنا، ولانتوقع منه غير التعامل معنا بلغة العنف والإرهاب، فإننا نشير بكل أسى وأسف إلى موقف السلطة الفلسطينية، التي سجّلت ولأول مرة منذ نشأتها موقفاً يحمّل فيه المقاومة مسؤولية العدوان على الشعب الفلسطيني، مانحة صكّ البراءة للاحتلال، وتبدّى ذلك جلياً في مجزرة جباليا، التي سارعت وزارة الداخلية الفلسطينية، وبعد ربع ساعة فقط من وقوعها إلى إصدار بيانها بتحميل حماس مسؤولية الانفجار، وقبل أن ترسل لجنة ميدانية لفحص المكان، والبحث عن الحقيقة. وعندما أعلنت حماس مسؤولية الاحتلال عن مجزرة جباليا، أخذت وزارة الداخلية الفلسطينية العزّة بالإثم، فأصدرت بيانات أخرى -وبشكل لافت- تؤكد فيها مسؤولية حماس عن الإنفجار المذكور. والغريب أن الوزارة المذكورة لم تصدر حتى الآن – سواء في عهد وزيرها الحالي أو في العهود السابقة- أي بيان يحمّل فيه المسؤولية في أي حادث لأي جهة كانت، سوى ما حمّلته لحركة حماس. فلم نسمع من وزارة الداخلية حتى الآن رأيها فيمن حاول اغتيال نبيل عمرو، ولاغسان الشكعة، ولا فيمن اختطف غازي الجبالي، أو اختطف الأجانب في قطاع غزة. ولم نسمع منها رأيها فيمن اغتال هشام مكي، وخليل الزبن، وموسى عرفات، الذي قتل على مقربة من جهاز الأمن الوقائي، ورماه قتلته في حاوية القمامة، وعقدوا بعد ذلك مؤتمراً صحفياً على رؤوس الأشهاد، أعلنوا فيه مسؤوليتهم عن الاغتيال. كما أن نجله الذي تمّ اختطافه، جرت مفاوضات بين خاطفيه والسلطة الفلسطينية لاستعادته، ولم يطلق سراحه إلا بعد أن وافقت السلطة على شروط القتلة، التي كان منها عدم المساس بهم، والتعرّض لهم وملاحقتهم، فلماذا صمتت السلطة الفلسطينية صمت القبور عن هذه الحوادث وغيرها، في وقت تعرف الجهات الفاعلة وأسماء فاعليها؟!
إننا نقول بصراحة وشفافية للسيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية إن تياراً استئصالياً في سلطته يدفع باتجاه المواجهة مع حماس، ويحرّض عليها، ويزوّده بالتقارير الخاطئة، والمضلّلة، والكاذبة، ولعلّ ما وصلنا من قيام أحد رموز هذا التيار الاستئصالي بتحريضه على شنّ حرب لاهوادة فيها على حماس، حتى ولو أدّى ذلك إلى حرب أهلية، معزّزاً تحريضه بالقول إن دولاً كبيرة كالولايات المتحدة لم تنل استقلالها إلا بعد حرب أهلية! إن ذلك يؤكد ما ذهبنا إليه.
ولكن نؤكد أن حماس ستبقى وفية لدماء الشهداء، وعذابات الجرحى، وتضحيات الأسرى، وأنها ستعضّ بالنواجذ على الوحدة الوطنية، ولن تنحرف بوصلتها، فبنادقها ستبقى موجهة إلى الاحتلال، وأنها ستقطع الطريق على التيار الاستئصالي، الذي بات معروفاً لدى الكثيرين من أبناء شعبنا، سواء بأيديه الملطّخة بدماء الفلسطينيين، أو بتآمره على الشرفاء والمناضلين.
إننا ونحن على أعتاب عام جديد من الانتفاضة الباسلة، نؤكد على ما يلي
1. إن الانتفاضة الحالية، وإن كانت قد تراجع مدّها إلى أدنى درجاته بفعل عوامل عديدة، فإن الشعب الفلسطيني قادر بإذن الله على إعادة الحيوية إلى هذه الانتفاضة، بل وربما يطلق انتفاضة جديدة تكون الانتفاضة الثالثة خلال ثلاثة عقود.
2. إن الإنجازات التي حققتها الانتفاضة ليست ماركة مسجلة لفصيل بعينه، بل هي نتاج جهد وتضحيات جميع أبناء شعبنا وقواه وفصائله المقاومة.
3. إن حماس تمدّ يدها إلى كل أبناء شعبنا، ولن تكون الخلافات والتباينات الفكرية أو السياسية عائقاً في التعاون والتنسيق في مواجهة الاحتلال.
4. إن حماس، وعلى الرغم من كيد الإدارة الأميركية المتواصل ضدها، وماتقوم به من عملية إرهاب لكل الدول، وخصوصاً الأوروبية من إقامة علاقات مع حماس، فإننا نشير إلى أن حماس حققت اختراقاً سياسياً قد تحقق على الصعيد الأوروبي وغيره، وإن دولاً عديدة تجري اتصالاتها مع حماس، مؤكدة لنا أنها مضطرة أحياناً لمجاراة السياسة الأميركية بفعل الضغوط المتواصلة عليها، وليس بفعل القناعة السياسية.
5. إن المقاومة هي خيارنا الاستراتيجي، وإن توقفها مرهون بزوال الاحتلال، وإن أي محاولات لنزع سلاح المقاومة ستبوء بالفشل الذريع بإذن الله.
6. إن مشاركة حماس في الانتخابات البلدية والتشريعية، إنما يأتي في سياق حرصها على حماية خيار المقاومة وتعزيزه سياسياً وشعبياً، وإن محاولات إقصاء حماس عن المشاركة عبر الاعتقالات المبرمجة والواسعة في الضفة الغربية، التي طالت المئات من القيادات والكوادر على جميع الصعد، لن يحول دون مواصلتها لبرنامجها الذي يجمع بين المقاومة والعمل السياسي.
7. سيبقى الأسرى هم أحد عناوين الجهاد والمقاومة والنضال، وإن تأسيس كتائب عزّ الدين القسّام لوحدة تحرير الأسرى، وقيامها باختطاف الضابط الصهيوني (ساسون نورائيل) قبل بضعة أيام، إنما يجسّد هذا العنوان والاهتمام.
تحيّة إكبار وإجلال لأرواح الشهداء، الذين لم يقدّر الله لهم أن يشهدوا اندحار الكيان الصهيوني من قطاع غزة، ولكل الأسرى والمعتقلين، وإلى أبناء شعبنا الصابر المصابر.
وإنّه لجهاد.. نصر أو استشهاد
كلمة أ. محمد نزّال عضو المكتب السياسي لحركة حماس
في المهرجان الذي أقامته الحركة في بيروت يوم الأحد 2/10/2005م
في الذكرى السنوية الخامسة لانتفاضة الأقصى