لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج إعلانا عالميا بين أهل الأرض والسماء بأن خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم نبى القبلتين وإمام المشرقين والمغربين ووارث الأنبياء قبله وقدوة الأجيال…
لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج إعلانا عالميا بين أهل الأرض والسماء ، بأن خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم نبى القبلتين وإمام المشرقين والمغربين ، ووارث الأنبياء قبله ، وقدوة الأجيال بعده ، وتبدأ هذه الرحلة بقوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ )(الإسراء من الآية1) كما أنه فى أعلى المقامات يقول عنه الحق سبحانه (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى)(لنجم10)
فالبداية تسبيح وتنزيه الله ، وحمده ، وشكر نعمه وآلائه ، وتسبيح الله ، أليق صفة تتناسب مع جو الإسراء ، وأعظم صفة بين العبد وربه ، كما ذكر صفة العبودية فى مقام الإسراء والعروج إلى الدرجات التى لم يبلغها بشر ، لتظل هذه الصفة قائمة ، ولا يلتبس مقام العبودية بأى مقام آخر ، إن الجانب الإيمانى فى صلة العبد بربه ، والعبودية الكاملة لله رب العالمين ، هى أساس النصر فى هذه الحياة ، وهذا جانب مهم فى حياة المؤمنين ، فهم عبيد لله وحده ، للقوى القادر القاهر الذى لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء .
الانتفاضة المباركة
تأتى ذكرى الإسراء والمعراج هذا العام وقد مضى على الانتفاضة المباركة فى الأرض المقدسة ، ما يزيد على الثلاث سنوات من عمرها المبارك ، الانتفاضة التى استمدت قوتها من عقيدة هذه الأمة، ومن وجدانها وتاريخها ، ولذلك استطاعت أن ترد العدوان الصهيونى والمكر اليهودى وأن تفضح التردد العربى واستسلام البعض وتخاذلهم، وخوفهم ، وحرصهم على الحياة .
ولقد تعاطف معها كل مسلم ومسلمة على ظهر الأرض ، لأنها ثورة أرض الإسراء والمعراج ، ثورة الأرض المقدسة ، ثورة المسجد الأقصى ، ثورة المستضعفين والمغلوبين على أمرهم ، الذين أهدرت دماؤهم وأعراضهم وأموالهم ، وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ، ثورة كل شاب مؤمن ، وفتاة مؤمنة ، وأب موصول بالله ، وأم مؤمنة عابدة ساجدة لقيوم السماوات والأرض .
مقدمات الإسراء والمعراج
إن رسالة الإسلام ، لا يملك مخلوق أن يعطلها ، أو يوقف مدها ومسيرتها ، لأنها دعوة الحق التى نزلت من مالك الكون وصاحبه جل جلاله ، يحملها سيد الخلق وإمام الأنبياء ، تحمل موازين العدل والسمو ، وقد أشربتها قلوب الصحابة ، ومن جاء من بعدهم ، فعاش المؤمنون فى كل عصر عليها ، لا يرون فى غيرها من المبادئ الأرضية نورا يهدى سواء السبيل ، دعوة الحق ، حبيبة إلى كل نفس مؤمنة ، ترى فيها حياتها وعليها مماتها ، ومن كان هذا حاله مع الله ، فما يضيره أن يكيد له الناس ، أو يحاربوه ، وما تجدى حربهم له ، وإيمانه فى قلبه ، وقلبه بين جنبيه لا سلطان لأحد عليه ، إلا لربه ، وإذا أباح البعض لأنفسهم أن يعطلوا جوانب من هذا الحق ، أو يحجبوها فهم والدنيا كلها معهم أعجز من أن ينالوا من دعوة احتلت سويداء القلوب المؤمنة ، فغدت عندها أغلى وأعلى وأسمى من الحياة التى يعيش البعض من أجلها ، فلا الأعداء على مدار التاريخ ، من يوم أن نزلت على قلب سيد المرسلين استطاعوا طمس أنوارها ، ولا الدعاة إليها بتاركيها ، لأنها عندهم الحياة ونبض الوجود والخلود وصدق الله العظيم إذ يقول (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا )(الأنعام من الآية122)
أرض الدعوة لا حدود لها
كلما آذت قريش رسول الله وصحابته فى كل موطن التمس النصرة فى موطن آخر ، وكلما ضيقت عليه فى مكان نشد الأمل فى سبيل آخر ، فلا تغيير ولا تبديل فى مسيرة الحق ، ولا صمت ولا سكون عن الدعوة إلى الله والبلاغ ، فأرض الدعوة .. كل أرجاء الدنيا ، مكة ، الحبشة ، الطائف ، وليس هذا فقط بل أرض الله الواسعة ، مهنة الداعية أن يعمل لدينه وإسلامه وأن تنتصر دعوته فى كل مكان ، وهذا ما يجب أن يتصف به المؤمنون فى كل عصر ومصر .
الإيمان والاضطهاد
وهناك ظاهرة لدعوة الإسلام تقول إن من يضطهدها ويعارضها يخدمها ، فالمؤمنون لا يزدادون فى الشدائد إلا تمسكا بدعوتهم وحرصا عليها ، وحبالها ، إن من يبذل جهدا فى حربها يزيدها صلابة ، وينتصر لها كل من له بصيرة ، ويخدمها كل من يعاديها بإشاعة الأباطيل والأكاذيب ، فيتلقف الناس الباطل المفضوح فينظرون فيه ، فيرونه زيفا وكذبا وافتراء ، وهنا يتقدم هؤلاء لمناصرة الحق ، والمحافظة عليه ، ورفض الكذب .
قررت قريش أن تقول فى أحد الأعوام للوافدين إلى مكة للحج ، شيئا فى أمر رسول الله
فاجتمعوا على أنه ساحر ، واتفقوا على تخويف العرب منه وتحذيرهم من لقائه ، واستقبلت
الحجاج على أبواب مكة تحذرهم من لقائه ، فكانت النتيجة أن كل من حذرته حرص على لقاء
رسول الله والاستماع إليه ، فكانت بكذبها سببا فى انتشار الإسلام فى القبائل كلها .
عام الحزن
هذه دعوة الله التى صبّ على حملتها فى مكة الإيذاء والتشتيت والضرب والتعذيب ، والقتل والبطش ، والمقاطعة العامة ، فى شعب أبى طالب ، ثلاث سنوات كاملة ، وتعدّى هذا البلاء من الرجال ، إلى النساء والأطفال والشيوخ الكبير والصغير ، والعبد والحر ، وأغلقت قريش عيونها وسدت آذانها ، ووضعت الأقفال على قلوبها ، وأكل الجميع ورق الشجر ، ولم يجد بعضهم ما يستر به عورته ، وتعلقت القلوب شئ واحد ، بخالق الأرض والسماء الذى لا يعجزه شئ ، وتمسكت بخالص الدعاء ، حبا ورغبة فى عفو الله ، لا تبرما ، ولا ضيقا ، ولا سخطا ، ولا يأسا من الواقع المحزن الأليم ، وكان الصمود والإصرار والصبر ، والثبات والرضا ، حتى فك الله عنهم الحصار ، وعاد المؤمنون إلى بيوتهم ,على مباشرة دعوتهم التى ما قصروا فيها أبدا طوال هذه الأهوال ، ثم فقد الرسول صلى الله عليه وسلم عمه الذى كان ينصره ويدافع عنه ، وفقد خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها، ثم ذهب إلى الطائف فوقف رجالها الموقف المؤلم والمحزن ، ولم يكتفوا بذلك بل سلطوا عليه العبيد والسفهاء يضربونه بالحجارة وينالون منه ، وعاد صلى الله عليه وسلم إلى مكة ودخلها فى جوار مشرك ، وكانت رحلة التكريم العظيم فى تلك الليلة .
شق الصدر
ومن الإعداد الإلهى لرحلة الإسراء والمعراج حادثة شق الصدر ، فعن مالك بن ضعضعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسرى به ، قال "بينما أنا فى الحطيم أو فى الحجر مضطجع بين النائم واليقظان ، أتانى آت ، فشق ما بين هذه إلى هذه – يعنى من نحره إلى شعرته – قال فاستخرج قلبى ، ثم أتيت بطست من ذهب ، مملوء إيمانا ، فغسل قلبى ، ثم حشى ثم أعيد" أخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
وقد تكرر هذا الأمر فى طفولته صلى الله عليه وسلم ، وتلك حصاناك يحفظ الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا من تدبير الله له ليعده لما ينتظره ، من الأمر العظيم .
إن من يحمل الأمانات الكبرى ، ويحول تاريخ البشرية ، ويغير وجه الأرض ، ويعدل خط البشرية ، يريد الله سبحانه أن يحيطه بالرعاية ، ويحفظه بعيدا عن المزالق ، التى تعطل الدعاة إلى الله عز وجل .
البعد الزمنى للرحلة
إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه أسرى به وعرج ، لقد ركب البراق وهو دابة يضع خطوه عند أقصى طرفه ، كأنه يمشى بسرعة الضوء ، وكلمة "براق" تشير إلى البرق ، أى أن قوة الكهرباء سخرت فى هذه الرحلة لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم .
فقد ورد فى البخارى "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل على براق ، يضع خطوه عند أقصى طرفه ، انطلق به بصحبه جبريل إلى السماوات السبع ، فهذا البراق يقطع المسافات الشاسعة فى لحظات ، مشتق من عالم الضوء والكهرباء ، وهى تسمية لها مغزى عميق ، جاءت فى عصر لم يكن أحد فيه يعرف شيئا عن قوانين الضوء وسرعته ، وطاقات الكهرباء وإمكاناتها" دراسة فى السيرة عماد الدين خليل، والحق أن الله سبحانه الذى هو صانع السنن والقوانين يهب بعض عباده القدرة الخارقة التى يتمكن بها العبد من طبيعته الخاصة ، فيصنع المستحيل .
ولقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دعوته ستنطلق فى الأرض ، وتصل إلى النيل والفرات ، كما شاهد نهاية المشركين وعاقبة الطغاة ، ورأى الجنة والنار ، ووصل إلى سدرة المنتهى (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)(لنجم18) وذلك هو الهدف من الرحلة ، إنها آية من أعجب ما أوتى الأنبياء والرسل ، رسمت مسير الرسالة ، بما شاهد صلى الله عليه وسلم من آيات ربه ، ولقد مسح الله بها كل عناء لقيه الرسول من آثار المشركين ، وازداد علما بأن رسالته رسالة جهاد وكفاح وصبر ، وإنها دعوة بلاغ وبيان ونضال لا تعرف التوقف أو المهادنة ، وقضية الإسلام الكبرى ، تستهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، ومن الظلم إلى العدل ، وإنقاذ الإنسان من أيدى المستعبدين للبشرية ، الذين يفرضون وجودهم على عباد الله ، ويسخرونهم لقضاء شهواتهم ، ويحرمونهم من طعم الحرية والحياة .
ويجب أن يعلم حملة الرسالة من الذين ورثوا منهجه فى الدعوة إلى الحق أنهم يحملون أثقال ما حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)(المزمل5) إن رسالة الإسلام عقد لواء انتصارها على الطغاة والمعاندين فى الأرض ، فى ظل سدرة المنتهى ليلة التشريف والتكريم ، وما عقد فى السماء ، فلن يحل فى الأرض .
إن الدعاة إلى الله اليوم وغدا بأيديهم مفاتيح القلوب أمانة يتقلدونها فى أعناقهم ليؤدوها إلى أهلها منهجا وسلوكا ، وحبا وإخاء (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا )(النساء من الآية58) وليحذر حاملوا الأمانة من القعود عن تبليغ الرسالة ونشر دعوت الحق ، والنور والهدى وعندها – لا قدر الله – لم يبق لهم من هذه الأمانة إلا عبء التحمل ثم التقصير ، ثم الحساب العسير فى الآخرة ، وبعد العودة من الرحلة بدأ صلى الله عليه وسلم فى العمل لما هو أكبر من مكة ، وأعظم من دائرة محدودة فكان يعرض نفسه على القبائل ، ثم حدثت بيعة العقبة ، وتم اختيار أول مجلس شورى للمسلمين ، فى بيعة العقبة الكبرى ، ثم فتح الطريق إلى المدينة وتمت الهجرة ، وقامت الدولة الإسلامية ، وبدأت السرايا ، والتدريب على الجهاد وانطلقت رسالة الحق تخلص عباد الله من القهر والطغيان والاستعباد .. يقول ربعى بن عامر "إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العبيد إلى عبادة الله وحده ، ومن جور الكهان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"
واليوم قد أسفر أعداء الإسلام عن كيدهم ، وظهر بوضوح الوجه الحقيقى لهم ، وانكشفت تحدياتهم ومؤامراتهم ، ألا إنه لأمر كبير وخطير أن يحتفل المسلمون بالإسراء والمعراج ، بينما أرض الإسراء والمعراج ، ومسرى سيد الخلق ، ومصلاه بالأنبياء ومنطلق عروجه إلى السماء ، أسير تحت سلطان الصهيونية الباغية ، ألا إنها لكبيرة أشد ، أن يموت الحس الإسلامى عند الكثيرين من أبناء هذه الأمة ، وأن ينام العالم العربى والإسلامى إلى هذا الحد ، وتعيش الأمة على التفاهات ، إن رسالة الإسلام هى التى وهبت الأمة الحياة ، وما كان لأبناء الإسلام أبدا أن يقبلوا الهوان ، أو يرضوا بالذل أو يقعدوا عن نصرة إخوانهم المظلومين ، وعن تقديم العون لهم بكل ألوانه ، إن الحق تبارك وتعالى يهددنا يوم أن نبخل ونقعد عن مجرد الإنفاق فى سبيل الله ، فكيف الحال وقد قعدنا عن كل شئ يقول سبحانه وتعالى (هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)(محمد38)
يا حكام العرب والمسلمين
إن عقيدتنا وتاريخنا ودماء شهدائنا وأعراضنا التى انتهكت فى كل مكان ، وأنات أراملنا وصرخات أطفالنا ، ومشردينا ، تطالبنا جميعا – إن كانت فينا بقية من حياة – أن نسارع إلى الترابط والوقوف صفا واحدا ، أمام الأعداء ، كما تطالبنا بالإسراع بإعداد المجاهدين الصادقين ، كما تطالبنا بل تفرض علينا أن نوحد صفوفنا ، فيد الله مع الجماعة ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ، ويجب إعطاء الحرية للأمة ، وإشراك الجماهير فى مواجهة الأخطار والتحديات ، وكفاية دور المتفرج على مواكب الشهداء ، وكأن الأمر لا يعنينا فى شئ ، ويجب أن يتحول دورنا جميعا إلى دور الداعم والمعاون والداعى والمشارك ، وكما يفرض علينا الإسلام حكاما ومحكومين أن نقف صفا واحدا فى الصلاة خمس مرات ، خلف إمام نقتدى به ، ونصوم جميعا شهر رمضان ، ونفطر فى لحظة واحدة ، ونتجه إلى قبلة واحدة ، قرآننا واحد ، ورسولنا واحد ، ونعبد إلها واحدا لا إله إلا هو ، وكل هذه الأسس الدقيقة التى وضعنا الإسلام فى إطارها ، تفرض علينا أن نكون أمة واحدة (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(الأنبياء92)
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع