كاتب وصحفي فلسطيني لم تعهد العلاقات الدولية والدبلوماسية تدخلا سافرا بحجم ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مؤخرا من إعلانهما رفضهما لمشاركة حركة المقاومة الإسلامية…
كاتب وصحفي فلسطيني
لم تعهد العلاقات الدولية والدبلوماسية تدخلا سافرا ، بحجم ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مؤخرا من إعلانهما رفضهما لمشاركة حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية القادمة ، المحددة بتاريخ 25يناير 2006 .
لم تكن هذه المرة الأولى التي تنطلق فيها هذه المواقف والتصريحات عن هاتين الإدارتين ضد الحركة الفلسطينية ، فقد شهد هذا العام تصريحات مشابهة ، لاسيما عقب مرحلتي الانتخابات البلدية اللتان جرتا في الأراضي الفلسطينية في شهري يناير ومايو 2005 ، حيث حققت حركة حماس تقدما متميزا ، لدرجة أذهلت صناع القرار في الحكومات الإقليمية والدولية ، الأمر الذي جعلها تعيد حساباتها في التعامل من جديد مع حركة تمتد قواعدها وتأييدها الشعبي إلى هذه الدرجة .
يشير توقيت التصريحات الأخيرة ، التي عبر عنها رموز السياسة الإسرائيلية ، وأبرزهم رئيس الوزراء "أرئيل شارون" ، ووزير الخارجية " سيلفان شالوم" ، إلى العديد من الدلالات السياسية ، لعل أهمها
1- تزامن هذه التصريحات والمواقف مع احتفالات الفلسطينيين بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة ، الأمر الذي ظهر ميدانيا وشعبيا وكأنه انتصار كاسح لحركة حماس على آلة الحرب الإسرائيلية ، وقد بدا ذلك واضحا في حجم الفعاليات والمسيرات الشعبية التي سيرتها الحركة ، بصورة فاقت بكثير تلك التي نظمتها السلطة الفلسطينية وباقي الفصائل مجتمعة ، الأمر الذي سيجد طريقه بالتأكيد إلى صندوق الاقتراع .
وقد أثار ذلك ردود فعل هستيرية لدى عدد من الصحفيين الإسرائيليين ، لعل أهمهم "إيهود يعاري" محلل الشؤون العربية في القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي الذي قال بنفس تحريضي - عشية انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة - أن احتفالات حركة حماس هو دعاية انتخابية ناجحة مائة بالمائة !
2- تأليب الرأي العام الدولي ، وتجييشه ضد حركة حماس ، من خلال إظهارها بأنها "عدوة التقارب بين الفلسطينيين والإسرائيليين" كما عبرت بذلك حرفيا ، وزيرة الخارجية الأميركية "كوندليزا رايس" في خطابها أمام الأمم المتحدة قبل عدة أيام .
3- إشغال الفلسطينيين " السلطة وحماس" بهذا الملف الساخن ، بحيث يتناسون ولو لفترة الملفات الكبيرة العالقة في عقب الانسحاب الإسرائيلي ، وخاصة المعابر والأسرى ومستقبل الضفة الغربية ، وغيرها من الملفات التي لا تجد إسرائيل نفسها متأهبة للتفاوض بشأنها ، لاسيما بعد الزلزال الذي أحدثته خطة الفصل في الشارع الليكودي واليميني عموما .
4- رغم الانفصال السياسي والعسكري عن قطاع غزة ، إلا أن إسرائيل تريد إظهار نفسها وكأنها اللاعب الأكبر في المعادلة الفلسطينية ، وبالتالي فهي من تملك حق الموافقة وحق الفيتو ضد مشاركة أو منع أي طرف فلسطيني في عملية داخلية فلسطينية بحتة.
ولعل ذلك يأتي متعارضا مع ما صرح به نائب رئيس الوزراء "شمعون بيريس" بعد خروج آخر جندي من القطاع ، حين قال "منذ اليوم غدا قطاع غزة مشكلة فلسطينية ، ولا علاقة لإسرائيل بها" !
ومع ذلك فإن إسرائيل تهدف من تصريحاتها إلى تحقيق عدد من الأهداف الآنية والإستراتيجية في آن واحد ، ومنها
1- وفق آخر التقديرات الموضوعية ، فإن حماس ستفوز في الانتخابات التشريعية القادمة بنسبة متقدمة ، الأمر الذي قد يؤهلها "دستوريا" لتشكيل حكومة فلسطينية ، وبالتالي يشكل هذا الأمر كابوسا للحكومة الإسرائيلية أن ترى من انتصر عليها بالأمس عسكريا ، يمسك بزمام السلطة ومقدرات البلد ، لأن ذلك يعني له مكافأة على ما قام به ، وبالتالي قد يشجع حركة المقاومة في الضفة الغربية ومناطق أخرى !
2- اعتادت إسرائيل منذ بدء مؤتمر مدريد 1991 ، على التفاوض مع أطراف عربية وفلسطينية ذات أوضاع عسكرية وسياسية ضعيفة مهزوزة ، منزوع الثقة الشعبية والتفويض الجماهيري ، الأمر الذي مكنها من تحقيق إنجازات تفاوضية خطيرة على المدى البعيد ، ولكن في حالة أن تكون حركة حماس جزءا من النظام السياسي الفلسطيني ، فإن ذلك سيضع حدا لهذه السياسية التفاوضية ، لأن قواعد اللعبة ستتغير فعلا !!
3- قد يبدو التحريض الإسرائيلي ضد حماس متعارضا مع الأجواء العالمية العامة التي تهدف إلى احتواء ما بات يعرف بـ( حركات الإسلام السياسي) ومنها حركة حماس ، وخاصة ما أوصت به "مجموعة الأزمات الدولية" في دراستها التي جاءت تحت عنوان " التعامل مع حماس " ، إلا أنه من الواضح أن إسرائيل لا تضمن أن تنجح هي وغيرها في دمج حماس واحتوائها بعد مشاركتها في الانتخابات ، فربما ينقلب السحر على الساحر !!
4- السعي قدر الإمكان لتأجيج الصراع الداخلي بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس ، من خلال بث التقارير التحريضية والمعلومات الأمنية المضللة ، لإثارة المشاعر بين الطرفين ، وبالتالي توفر الأرضية الميدانية لنشوب هذا الصراع ، بصورة أخطر من السابق .
5- تكرار هذه التصريحات - إن فشل في تحقيق تلك الأهداف - فإن إسرائيل قد تفلح على الأقل في تأجيل الانتخابات التشريعية إلى إشعار آخر ، من خلال الضغوط التي تمارسها مع الإدارة الأمريكية وبعض الأطراف الإقليمية على السلطة الفلسطينية ، منعا للوصول إلى نقطة الصفر سواء مع حركة حماس أو مع إسرائيل .
القوة والتكرار التي بدت عليها التصريحات الإسرائيلية والأمريكية ، لم يقابلا بذات الوصف من الفلسطينيين ، بمعنى أن الفترة الأخيرة شهدت سيلا من التصريحات والمواقف الرسمية المعلنة ضد مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية ، وهو أمر كما قلنا داخلي بحت ، وبالتالي لا يمكن القبول بهذا التدخل السافر تحت أي ظرف من الظروف ، ومع ذلك يمكن رصد تعامل الموقف الفلسطيني "الرسمي والحمساوي" مع هذه القضية على النحو التالي
1- بدا الموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية ، على مستوى التصريحات على الأقل مقبولا، دون أن يقابل ذلك بإجراءات ميدانية على الأرض ، والمقصود من ذلك أن رد الفعل الطبيعي والرافض لهذه التدخلات إعلان السلطة موعدا محددا ونهائيا للجولة الأخيرة من الانتخابات البلدية والمحلية التي أجلت أكثر من مرة دون توضيح سبب مقنع لذلك.
وقد "لدغت" حركة حماس خلال الفترة الماضية أكثر من مرة ، بعد أن تراجع الموقف الفلسطيني الرسمي ، واستجاب للضغوط الأمريكية والإسرائيلية ، وتمثل بإرجاء مواعيد إجراء الانتخابات التشريعية والبلدية أكثر من مرة ، دون الرجوع إلى حركة حماس وباقي الفصائل التي اجتمعت في القاهرة واتفقت على هذه المواعيد !
2- الموقف الرسمي لم يكن موحدا وبنغمة واحدة ، فقد سمعنا تصريحات منددة بالتدخلات الإسرائيلية في موضوع الانتخابات ، وسمعنا في الوقت ذاته تصريحات أخرى لمسئولين فلسطينيين يربطون مشاركة حماس بنزع سلاحها ، أو تسليم أسلحتها فور انتهاء الانتخابات ، وهذا الموقف إذا ما قرأنا ما بين سطوره يلتقي في نهاية المطاف مع الموقف الإسرائيلي .
ولعل هذا ما عبرت عنه "عميرة هاس" في صحيفة هآرتس يوم 7/9/2005 حين زعمت أن حركة حماس "تتسبب في دعايتها العسكرية بإثارة منطقية بين تحضيراتها للانخراط في اللعبة السياسية الفلسطينية البرلمانية، وبين أخلاقيات السلاح الإلهي والصراع العسكري المتواصل الذي تدعو له " !
3- الموقف الحمساوي ، الذي يشكل الهدف الأساسي للحملة الإسرائيلية الأمريكية ، لم يتجاوز الردود الإعلامية التقليدية ، باستثناء تصريح هام للدكتور "محمود الزهار" القيادي البارز في الحركة في غزة ، الذي هدد بـ"تشويش حياة المستوطنين" ، وقد شكل هذا التصريح خطوة متقدمة في موقف الحركة ، وإنما ما أقصده أن الحركة مثلا لم ترد على هذه التدخلات الأجنبية بفعل ميداني .
لقد كنت أتوقع فور سماعي للتصريحات الإسرائيلية أن تخرج مسيرة مليونية لحركة حماس تجوب قطاع غزة ، وهي بالمناسبة قادرة على ذلك ، وبالتالي أن تترك للجماهير التي تشكل قاعدتها الشعبية أن ترد على الحكومتين الإسرائيلية والأمريكية بالطريقة التي لا تحبذها، من خلال إظهار أن حركة حماس ليست حركة تنظيمية حزبية ضيقة ، وإنما حركة جماهيرية شعبية تصل إلى هذا الحد ، وبالتالي فإن منع حماس من المشاركة في الانتخابات يعني أن تظهر نسبة المشاركة باهتة وغير معبرة عن الجمهور الفلسطيني !
على كل ، لا أجد إمكانية عملية – خارج دائرة الاستهداف والتآمر على الأقل- للحيلولة بين حماس والمشاركة في الانتخابات القادمة ، للعديد من الأسباب التي لا يتسع المجال لذكرها الآن ، ولكن فيما لو تم هذا الأمر الخطير ، فإن ذلك يعني حدوث عدد من التطورات ، أهمها
- الانتخابات التشريعية القادمة فيما لو تمت بدون مشاركة حماس ، ستكون نسبة التصويت والاقتراع والنتائج غير مشجعة على الإطلاق ، وستذكر الجميع بالانتخابات التي حصلت في بعض الدول تحت حراب الاحتلال !
- أن تتحول الحركة تدريجيا إلى حركة سرية أكثر من الوضع الحالي ، وبالتالي لا يجد أحد عنوانا يتصل به بالحركة ، الأمر الذي قد يفسح المجال لرؤية أحداث لا يحبذها فلسطيني عاقل !
- العودة إلى الصفر فيما يتعلق بالتحركات السياسية الفلسطينية ، وخاصة موضوع التهدئة المعلنة ، وبالتالي العودة لتنفيذ العمليات الفدائية ، الأمر الذي لا ترغب به إسرائيل بالتأكيد .