رغم مظاهر الفرحة العرمة والتلقائية التي سرت في قلوب الفلسطينيين في غزة غير مصدقين اعينهم أن أرضهم باتت بلا حواجز عسكرية وبلا مستوطنين وبلا جيش يحتل ويلتهم أرضهم وحياتهم فقد كانت…
*
رغم مظاهر الفرحة العرمة والتلقائية التي سرت في قلوب الفلسطينيين في غزة غير مصدقين اعينهم أن أرضهم باتت بلا حواجز عسكرية وبلا مستوطنين وبلا جيش يحتل ويلتهم أرضهم وحياتهم، فقد كانت الفرحة عفوية وطبيعية وكانت الحركة في كل اتجاه، حتى أن قوة دفع الفرحة دفعت في اتجاه الحدود المصرية لتختلط وتتلاقى الفرحة مع الاشقاء على ارض مصر العربية في مدن رفح والشيخ زويد والعريش، وكأن الناس في حلم جميل، وكل واحد يروي حكايته، تحتاج معها الى أديب وروائي ينسج قصة انسانية تكشف قوة دفع الشعوب.
ورغم ذلك، فإن الانسحاب من غزه يشكل أول تحد يواجه الفلسطينيين، في كيفية ادارة أمورهم والتعامل مع التحديات التي تنتظرهم، ولكن وقبل أن أخوض في الإشارة الى أهم هذه التحديات، هناك أكثر من قراءة حري بنا أن نتفهمها ونستوعبها في خضم هذه الفرحة..
القراءة الأولى أن هذا الانسحاب هو ثمرة نضال وتضحيات جسيمة قدمها الشعب الفلسطيني من ابنائه، وما كان لهذا الانسحاب أن يتم لولا المقاومة والبندقية،
أما القراءة الثانية وإن كانت لا تنكر دور المقاومة الا أنها ترى ان هذا الانسحاب انعكاس وترجمة لعوامل أخرى منها العامل الديموغرافي والطبيعة الجغرافية والطبوغرافية للقطاع، وقدرة السلطة على التمسك بمنهجها السياسي.
والقراءة الثالثة واستخلصها مما قاله شمعون بيريز بقوله أن غزة تشكل ليس تحديا فقط للفلسطينيين بل للإسرائييلين، فعدد السكان يتضاعف كل عشر سنوات، وان احتلال غزة على مدار 38 عاما شكل خطأ اقترفته اسرائيل، وكان لا بد من التخلص منه.. واضاف أن عبئا ثقيلا ازيح من على صدره.
وفي ظني ورغم أن كل قراءة تحمل قدرا من المنطق والصحة، إلا ان هناك عاملا جوهريا لا بد أن ندركه واستخلصه من واقع المعايشة والمتابعة المباشرة على مدار سنوات الانتفاضة ومدللا عليه بالقراءة التاريخية للصراع، وتتلخص هذه القراءة في أن قانون الاحتلال مهما طال لا يدوم، فعلى امتداد التاريخ البشري للاحتلال وتاريخ الشعوب في الكفاح والنضال من أجل الحرية، أن الاحتلال مهما كان كثيفا وشديدا وقاسيا وفظا لا يمكن أن يستمر الى ما لا نهاية، لأن تكلفة الاحتلال تزداد مع كل يوم احتلال، وأن من شأنه أن يخلق الأزمات الداخلية التي تهدد كيان الاحتلال وتضعفه، هذا هو الجانب الأول لهذه القراءة، أما الجانب الثاني فيتعلق بالفلسطينيين أنفسهم وقدرتهم على مواصلة نضالهم وكفاحهم وتمسكهم بأرضهم فى مواجهة سياسات الاحتلال القاسية. العلاقة هنا طردية، فكلما زاد الاحتلال قوة وبطشا وحصارا وتدميرا كلما ازدادت قوة المقاومة على الصمود والبقاء والمواجهة، وهو ما جعل الاحتلال عبئا كبيرا، وهذه القراءة هي التي تفسر لنا قرار الانسحاب، وهذه القراءة تقودنا الى قدرة الفلسطينيين على مواجهة التحديات التي يفرضها هذا الانسحاب.
ولعل تحديات الانسحاب كثيرة تحتاج معه الى توحد الجهود ونبذ كل خلاف، وهنا تتصدر التحديات الاقتصادية والسياسية وتلبية الاحتياجات الملحة، ان إعادة البناء السياسي الديمقراطي، واعادة بناء المواطن الفلسطيني هي أولويات ملحة.
* استاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر- غزة.