جدول عادي كما هو الحال مع التحولات الكبيرة حجما ووجهة تطرح الأسئلة الكبيرة وبخاصة ما اتصل منها بالهوية والقضايا التي تعتبرها الأمم قضايا مصيرية ومنذ بدأت تحولات الربيع العربي…
كما هو الحال مع التحولات الكبيرة حجماً ووجهةً تطرح الأسئلة الكبيرة، وبخاصة ما اتصل منها بالهوية والقضايا التي تعتبرها الأمم قضايا مصيرية. ومنذ بدأت تحولات الربيع العربي، والسؤال مطروح: هل تدخل المنطقة العربية نفق الانكفاء على الذات بعد الربيع العربي؟
والسؤال مشروع ومنطقي في آن، فهو مشروع لأن المستقبل يبدو للوهلة الأولى غامضاً، وأيضاً لأن الخطاب التحليلي العربي مصاب بالدوار الشديد وهو يحاول استشراف وجهة التحول إزاء القضية الفلسطينية بعد الربيع العربي، وبعض منتجي هذا الخطاب التحليلي يتأرجح على وقع تحولات الخطابين السياسي والإعلامي في إسرائيل من حيث التفاؤل والتشاؤم إزاء التحولات!
والسؤال منطقي لأن بعض الخداع السياسي وكثير من المتاجرة السياسية بالقضية الفلسطينية خلال عقود مضت أوهمت كثيرين – من المثقفين والبسطاء على السواء – أن النخب هي المدافع الأول عن القضية الفلسطينية، وأنه مع بدء "عصر الشعوب"، ستصبح الأولوية لـ "الخلاص الفردي". وهذه قراءة بائسة من وجوه عدة:
أولها أن النخب السياسية لم تسهم في الدفاع عن القضية الفلسطينية إلا بمقدار ما تسهم فرق "الموسيقى العسكرية"، وهو ما يلخصه التعبير الغربي الشهير "إنهم يقاتلون كفرق الموسيقى العسكرية....يقفون في أماكنهم وهم يغنون بكل حماس: تقدموا .... تقدموا .... تقدموا". وباستثناء نماذج نادرة من المثقفين والمبدعين قدموا حياتهم للقضية الفلسطينية في ساحة قتال حقيقية تظل القاعدة صحيحة. ولكن الشعوب كانت دائماً أول من يغضب وآخر من ييأس!
وعندما يكتب التاريخ السياسي لهذه البقعة من العالم سيكتشف العرب كم ساوم المنسوبون إلى النخبة وبكم باعوا. ولا يعني هذا بالضرورة أن طرفاً منهما يمثل "الملاك" ولا أن الآخر يمثل "الشيطان"، لكن الحقيقة التي لا يدركها كثيرون أن عامة الناس في هذه الأمة أكثر إخلاصاً ونبلاً وثباتاً على المبدأ، واستعداداً للتضحية بكل شيء في سبيل قناعاتهم من كثير ممن كتبوا بحماس عن القضية الفلسطينية.
وهناك وجه آخر للقضية لا يقل أهمية عما أسلفنا، هو أن التوجه إلى إعادة بناء العالم العربي على الكفاءة والحكم الرشيد، لا يقل خطراً على المشروع الصهيوني من السلاح النووي، فالعقود الماضية من الصراع تؤكد أنه بضعفنا – قبل قوته وقبل دعم الداعمين – توسع المشروع الصهيوني. وعالم عربي أقوى وأغنى سيكون تحولاً نوعياً في تاريخ الصراع لا يقل عن حرب أكتوبر.
وقد شهدت البحيرات المرة بمصر قمة أمريكية سعودية هي الأولى، بين الملك عبد العزيز بن سعود والرئيس الأمريكي روزفلت، وفيها طلب روزفلت من الملك السعودي أن يساعد في إنشاء وطن قومي لليهود تعويضاً لهم عما لحق بهم على يد النازي، وكان رد الملك عبد العزيز أن العدالة تقتضي إنشاء هذا الوطن في أرض يتم اقتطاعها من ألمانيا!
ورغم أن فلسطين لها مركزيتها في التصور الأصلي للمشروع لأسباب دينية دون شك، إلا أنني حاولت التفكير في هذا الحوار وتخيلت أن تنشأ إسرائيل في ألمانيا، هل كانت ستكتب لها الحياة على أرض مقتطعة من دولة لديها القوة الاقتصادية لألمانيا، وكم من الموارد الاقتصادية كانت ستحتاج لكي تحقق أمنها القومي في مواجهة أكبر مصدر في العالم، وبالتالي في مواجهة دولة تستطيع بيسر أن تخصص لميزانية الدفاع رقماً مهمولاً.
فضعفنا المذهل وغياب الكفاءة في إدارة الدولة العربية لم تنجح المشاعر الطيبة في معالجة نتائجه الكارثية، وفي الحرب العالمية الثانية كان عدد سكان الصين 3 أضعاف عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية، لكن الأقل سكاناً استطاع اقتصادها أن يتحمل كلفة تجنيد 3 أضعاف العدد الذي استطاعت تجنيده الدولة الأكثر سكاناً، وبهذا كان الوزن النسبي لأمريكا 9 أضعاف وزن الصين!
والطريق الصحيح إلى فلسطين هو بإنصاف الشعوب والثقة بها وإخلاصها للقضية الفلسطينية، وهو ما أثبتته اختبارات كثيرة لم تكن أمام كاميرات التصوير ولا مكبرات الخطابة. وبعض النخب التي تصدرت المشهد لعقود "تتكلم" عن القضية الفلسطينية هو في الحقيقة شرط موضوعي كان غائباً، وهو شرط لا غنى عنه لأن تعود القضية إلى مكانها ومكانتها. وربيع الشعوب العربية هو الربيع الحقيقي لفلسطين.
فأبشروا... ثم أبشروا... ثم أبشروا بالقادم.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع