باحث في مركز المستقبل للبحوث والدراسات شهد قطاع غزة فرحة عارمة باول انتصار على العدو الصهيوني أجبره على الانسحاب الكامل من مواقع فلسطينية كان يظن الناظر إليها استحالة تزحزح أي…
باحث في مركز المستقبل للبحوث والدراسات
شهد قطاع غزة فرحة عارمة باول انتصار على العدو الصهيوني أجبره على الانسحاب الكامل من مواقع فلسطينية كان يظن الناظر إليها استحالة تزحزح أي جندي إسرائيلي منها, خصوصاً بعدما مرور سنوات طوال صابر خلالها شعبنا وجاهد وقاسى الأمرين، وبعد أن مورست كل الضغوط على العدو فيما يسمى عملية السلام، من خلال الدول العظمى والصغرى, فكللت هذه الضغوطات باتفاق غزة أريحا أولاً ، حيث لم يتحقق فيه أي انسحاب من أي مستوطنة أو موقع محتل, واقتصر الأمر على إعادة انتشار لقوات الاحتلال الإسرائيلي في بعض المناطق.
ولكن وبعد سنوات انتفاضة الأقصى والتي بلغت خلالها ضراوة الصهاينة وشراستهم مداها جاء هذا الانجاز وهذا الانسحاب كنتيجة منطقية وحتمية لصبر شعبنا وجهاده المسلح والذي أثبت فيه سلاح المقاومة انه وحده القادر على أن يقدم معطيات جديدة ويفرض واقعاً جديداً أجبر الاحتلال على التراجع عن تشبثه بأرض ما هي بأرضه.
إن ما حدث من مظاهر بعد الانسحاب كان له الأثر الكبير في تعميق صورة النصر, فقد قامت الجماهير الفلسطينية باجتياح المستوطنات دون اتفاق ودون أي تنسيق مع أي جهة كانت, حيث أثبت مشهدهم وهم يتدفقون من كل حدب وصوب باتجاه المستوطنات على حبهم لأرضهم وتشبثهم بها. كما قامت الجماهير أيضاً بالتعانق مع مصر الكنانة في مشهد مؤثر وقوي الدلالة والتعبير عن بقاء مصر رافد دائم وسند قوي للفلسطينيين على مدار سني نضالهم وصراعهم المرير. ثم قامت فصائل المقاومة الفلسطينية على اختلاف مشاربها وأطيافها باستعراض للقوة أعطى للسلاح أهمية كبرى وأكد على دور سلاح المقاومة في إحراز هذا الانجاز الكبير.
إن المتابع الجيد للصحافة الإسرائيلية ولردود أفعال الصهاينة يدرك بما لا يدع مجالاً للشك أن العدو الصهيوني كان واقعاً تحت صدمة الانهزام، ومرارة الخزي والاندحار, بعدما تناقلت وسائل الإعلام ما قامت به قيادة المقاومة من
• استغلال النصر بشكل جيد وموزون أعطى النصر قيمة معنوية كبيرة للشعب الفلسطيني.
• الاحتفال بالنصر بشكل حضاري بإقامة الصلوات على الأرض المحررة والاستعراضات الجذابة , والسياحة المنظمة . ..
إعلان المقاومة عن عدم السماح بضياع هذه الأراضي , واستغلالها الجيد في البناء والزراعة والإيواء والمساعدة على استكمال عملية التحرير وهذا جاء على لسان الدكتور الزهار والكثير من قادة المقاومة.
إفساد نظرية الاقتتال الداخلي لما كان من وعي لدى السلطة ورجال المقاومة الذين تعاملوا مع الواقع الجديد بشكل متميز من التوافق والالتحام.
كل هذه الأسباب وغيرها كان الدافع للإحباط الإسرائيلي والاستشعار بمرارة وقسوة الهزيمة التي حلت بهم بعد خمسة أعوام من الانتفاضة تكللت بانسحاب غير مشروط من غزة وأجزاء من الضفة.
لقد أدى هذا الإحباط إلى تخبط كبير على صعيد السياسة الداخلية للمجتمع الصهيوني وخصوصاً لدى الأحزاب الحاكمة والمتطرفة في إسرائيل, مما خلق تهديداً حقيقياً لبقاء شارون في حزب الليكود وأعطى إنذارات خطيرة من إمكانية وقوع سلسلة من التفككات في اكبر الأحزاب الإسرائيلية، وسط اتهامات متبادلة نتاج ما حققته المقاومة. ولهذا كله كان الفلسطينيون ينتظرون ردة فعل صهيونية كبيرة تضاهي حجم هذا الانجاز وهذه الهزيمة النكراء التي مني بها الصهاينة، تعيد لجيشهم المهزوم ولشعبهم المكلوم الثقة المفقودة بأنفسهم وبجيشهم الذي خرج بلا قيد أو شرط وترك البلاد للمقاومة.
ومن هنا كان استهداف العرض العسكري القسامي مساء اليوم-والذي أعلن انه سيكون آخر استعراض عسكري في المنطقة التي أذلت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ومرغت أنفها في التراب- كرد على حالة الهزيمة التي أعقبت الانسحاب، حيث صرح بذلك الدكتور نزار ريان قائلاً أن هذا الاستهداف إنما كان بمثابة انتقام لأيام الغضب التي شكلت الهزيمة الأكبر للجيش الإسرائيلي في تاريخ الانتفاضة المباركة.
إلا أن هذا الاستهداف يحمل في جعبته علاوة على ذلك الكثير من الأهداف من أبرزها
1- التسبب في زعزعة داخلية في حركة حماس، والتشكيك في قدرات القسام, وهذا يستشف من خلال طريقة التفجير الغامضة وتوقيته الغامض ومكانه أيضا, وهذا يشابه الكثير من الأحداث التي قامت بها إسرائيل بعد رحيلها عن بعض المناطق نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر اغتيال الشهداء القساميين كمال كحيل وإبراهيم النفار ومحي الدين الشريف , مع مصاحبة ذلك بنفي تام للمسؤولية عن تلك الحوادث. كما نستذكر هنا ما قامت به إسرائيل أيضا بعيد انسحابها من لبنان من عمليات ستهداف لعدد من كوادر قيادة حزب الله اللبناني، كان أبرزها ثلاث تفجيرات ضد قادة التسليح في المقاومة اللبنانية و تفجير سيارات حسن سلامة، محمد صالح، غالب عوالي, مما يدل أن هذا الأسلوب امتيازه إسرائيلي.
2- إعطاء الشرعية لمطالب السلطة الفلسطينية بجمع السلاح وإنهاء القوة العسكرية ومظاهر المقاومة.
3- زعزعة الثقة الجماهيرية التي تتمتع بها حركات المقاومة بعد هذا الانجاز وبعد الالتفاف الجماهيري الكبير حولها والذي دلت عليه هذه الحشود المخيفة خصوصاً خلال عروض وفعاليات حركة حماس.
لقد كاد حادث اليوم أن يحقق بعضاً من أهداف بني يهود لولا عناية الله حيث انقلب السحر على الساحر خصوصاً بعد أن فوجئ الشعب الفلسطيني من المتحدثين الرسميين للسلطة ولوزارة الداخلية باختلاق روايات تساعد إسرائيل على التملص من جريمتها, دون تقصي للحقائق، ومن دون زيارة لمكان الحدث أو تواجدهم فيه مما يوجه أصابع الريبة والشك إلى بعض الانتهازيين والوصوليين والمتعاونين من قيادة السلطة, ويجعلهم فيصف الإسرائيليين.
لقد ضجت غزة بأسرها بعد الحدث وأصبح مطلب الشارع الفلسطيني الانتقام ولا شيء سوى الانتقام, وهذا ما شاهده العالم بأسره على شاشة قناة الجزيرة الفضائية من هتافات تأييد للمقاومة ودعوة لكتائب القسام بالتعجيل بالانتقام.
نخرج من ذلك كله أن المستهدف هو انتصار شعبنا ونفسية هذا الشعب وثقافته المقاتلة من خلال زرع الفجوات بين الشعب المقاتل وقيادة المقاومة, وإظهار أن إسرائيل قادرة على كل شيء وأنها لم تهزم وهذا محاولة لتغيير الحقائق, وأيضا محاولة لتصدير الانهيار الحزبي والمشاكل الداخلية الخطيرة لشارون ولحزب الليكود.
الحدث خطير بأبعاده المختلفة, والبعد الأخطر فيه تعامل السلطة الفلسطينية الجديد مع الأحداث المتوالية والجرائم الصهيونية المتكررة, حيث أكتفت السلطة قديماً باستنكار الجرائم الصهيونية, أما اليوم فإن هناك تحولاً خطيراً طرأ على منهجها الإعلامي بتحميلها المقاومة وفصائل التحرير مسؤولية هذه الجرائم, وكأنها بذلك تصنع دور تكاملي مع المجرم الحقيقي. فهل يستطيع الشعب الفلسطيني تخطي هذه المرحلة برص الصفوف, والاتفاق على مواجهة الخطر القادم من عمق الكيان الصهيوني, بثبات ووحدة ومقاومة لا تلين لها قناة؟