"مستوطنون" ولا نفير!

لمى خاطر
2012-09-06

جدول عادي لا أكاد أصدق أن هذه هي الضفة الغربية وأن شوارعها وحاراتها هي هي وأن لكنتها العتيقة مازالت تترجم إفرازات روحها المواجهة وتستحضر تاريخها غير البعيد يوم كانت تفرض على قطعان…

لا أكاد أصدّق أن هذه هي الضفة الغربية، وأن شوارعها وحاراتها هي هي، وأن لكنتها العتيقة مازالت تترجم إفرازات روحها المواجهة، وتستحضر تاريخها غير البعيد، يوم كانت تفرض على قطعان المستوطنين لزوم بيوتهم والتحصن خلف جدرها، والهروب إلى الطرق الالتفافية التي ما كانت بدورها تستجلب لهم الأمان أو تضمن وصولهم (سالمين) إلى مقاصدهم.

لا أكاد أدرك سرّ هذا الانزياح السريع لبنادقها عن أهداف ثورتها، وأنا أسمع كل بضعة أيام أخبار اعتداءات ساكني المستوطنات التي تطوق جيد (السيادة) على الأرض، وتخطّ (خارطة طريق) جديدة لا متسع فيها إلا لتجرّع اعتداء الاحتلال حتى لو كان علقمًا، وحتى لو كانت مواجهته (المحظورة) بالحجارة هي أوجب الأعمال وأضعف درجات الإيمان الوطني في أيامنا.

لكنه زمن اليباس، إذ أكل الصبار من نضارة أرضنا كما اقتات على بقية التمرّد في جباهنا وهو يشقّ دروبه لاستيطان أجمل الهضاب، واحتلال مداخل مدننا وحاراتنا، وحجب الشمس وراء الجدار، ومعها انتباهنا لحاجتنا للرفض، وافتقارنا لوخز ندائه.

لا يجرؤ المستوطنون الموزعون في المغتصبات المنثورة كما الندوب السرطانية على جسد الضفة الغربية، لا يجرؤون على افتعال التوتّر عبر مسهم اليومي بأهالي القرى والمدن المتاخمة لوجودهم، إلا لأنهم أمنوا عقوبة الرصاص وحتى الحجارة، فأسرفوا في غيّهم واستطابوا العربدة، بعد أن تمعّنوا في وجوه معتمري لباس (الكاكي) الفلسطيني فإذا بها تبشّ في وجوههم، وتلعن أعداءهم، وإذا بالغضب من الاحتلال في شرعها جنحة، ومسالمته فرض عين.

سيسجّل التاريخ أن شعبًا ناجزَ غاصبي حقّه عقودًا من الزمن حتى أمال جناحه نفر من بني جلدته فأكرهوه على المسالمة، وقيّدوا وثبة روحه، وأقعدوا همته، وبثوا كساح الآمال في عروقه، وحوّلوا أنظاره باتجاه لقمة خبزه حتى ينسوه أمر عدوّه، ويقنعوه بوهم الدولة وخرافات بنائها، في حين كان البنيان لا يعدو أن يكون تشكيلًا رثًا لحكم ذاتي أزاح عن صدر الاحتلال أعباء احتلاله، ورماها في حجر من صدّقوا أنهم على مرمى حجر من الحلم، وأن مقتضياته الأولى كسر ذراع المقاومة، والحجر على رصاصها، وحبس أنفاس روّادها، وتجريم رأيهم، وشيطنة أي فكر رافض للانحناء.

لكننا والحال كذلك، لم نفقد إيماننا بأن الضفة تتوق لرائحة النفير، ولشذى غبار المعارك، ولأيامها الخوالي، حتى وهي تجتثّ من تاريخها، وترغم على مجاراة مرحلة الزيف والبلادة. ونؤمن أن الابتلاء سنة لابد منها؛ حتى يميز الله الخبيث من الطيب، وحتى ينجلي سواد الطغيان عن فجر يناضل حتى يقيم بين ظهراني وطن مكبّل بالاستيطان والأسر، وانحطاط المارقين من الوفاء.

وما كان للمطوّقين بحراب المحتل ومستوطنيه أن ينشغلوا بهجائه وحسب، وأن يغدو أقصى ما يمكن أن يجودوا به دموعًا يسفحونها لبكاء الحال وذمّ تقصير أبناء العروبة، فللأمة جراحاتها كما لفلسطين جرحها، لكن الأخيرة ما كانت لترضى أن تلوذ بالعويل حتى والأمة من حولها غافية على هوانها، بل كانت تقدم على معاركها الصغيرة والكبيرة غير آبهة بانكشاف ظهرها، فكيف بها اليوم والعرب من حولها أيقظوا عزائمهم، وفتحوا صدورهم للرصاص، وعادت عيونهم تحلّق حول فلسطين حتى وهم في كرب وشدّة؟!.

لا مزيد من الأعذار للاستكانة اليوم، أو للركون لتبريرات قلّة الحيلة، وإن كانت اليد (الفلسطينية) التي تبطش بالمقاومة نافذة وصلبة، فهي لن تتجاوز كونها أداة واهية لمحتل غاصب، أما السبيل إلى مقارعة المحتل فمازال قابلًا لأن تخطو عليه وثبات الثائرين.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026