جدول عادي حكيم الحركة لطالما أطلق عليه تلامذته من أبناء حركة حماس هذا اللقب ولطالما تباهى كل منهم بالذات من عاصره منهم في الكويت أنه تتلمذ عل يدي الشيخ عمر الأشقر رحمه الله لذلك…
"حكيم الحركة"؛ لطالما أطلق عليه تلامذته من أبناء حركة حماس هذا اللقب، ولطالما تباهى كلٌّ منهم – بالذات من عاصره منهم في الكويت – أنّه تتلمذ عل يديّ الشيخ عمر الأشقر رحمه الله، لذلك لا عجب أن ترى الوجوم والحزن الشديد بادياً على الوجوه لحظة سماع الخبر؛ بل إنّ خالد مشعل تحشرج وحاول حبس دموعه لكنّه لم يستطع فغلبته حتى اختنق صوته، وأصرّ على أن يلحّده بنفسه، ونعاه بأصدق عبارات الحب والوفاء.
"إعتنق" السلفية منهجاً فقهياً، لكنّه لم يعرف عنه تشدّدا، ومن يدرس سلوك "حماس" السياسي يدرك هذه الحقيقة التي صبغت مسيرتها السياسية؛ حيث كان يمثل لها مرجعية فقهية، وكثيراً ما سدّد وصوّب وأرشد رحمه الله.
يقول عنه الأستاذ خالد مشعل: إنّه أحد أربعة من مؤسسي "حماس" غُمِط حقّهم ولم يُنصفوا بإظهار دورهم – لكنّ الله يعرفهم، وذكر منهم الأستاذ سليمان الحمد (أبو محمّد) في الكويت حفظه الله، والمهندس حسن القيق (أبو سليمان) في القدس رحمه الله، وأمسك عن ذكر الرابع.
منذ منتصف السبعينات وهو يرعى ثلةً كريمة من الشباب الإسلامي في الكويت – سواء كانوا فلسطينيين أم كويتيين – تربيةً وتوعيةً ودفعاً للعمل، وفتحاً لآفاق التحرّك بكامل الصلاحيات، كلّ ذلك ضمن بوصلةٍ "سلفيةٍ" منفتحة.
لذلك لا غرو أن يعتبره هؤلاء الشباب (والذين يتصدّر معظمهم الآن المشهد السياسي الفلسطيني والكويتي) معلّمهم ومربيهم ومرشدهم؛ كأمثال الدكتور طارق السويدان وأقرانه، والأستاذ خالد مشعل وإخوانه. وعلى الصعيد الشخصي لمشعل يقول: أنّه أكثر وأهمّ شخصية أثّرت في حياتي ومسيرتي.
ومع أنّه انتظم في صفوف الحركة الإسلامية متأخراً نسبياً؛ إلاّ أنّه – لعلمه ورجاحة عقله وسعة أفقه – تصدّر منذ البداية وشارك في الأطر القيادية العليا للحركة، بل أصبح مرجعيتها الفقهية والقضائية، وتبوأ رئاسة أول مجلس شورى للحركة. ولعلّ الفضل يعود في ذلك للأستاذين سليمان الحمد وسليمان عبد القادر، والأخير هو الذي كان له فضل انضمام الشيخ رحمه الله في أطر الحركة، لما عرف عنهما من نظرة ثاقبة وفراسة صادقة بالرجال.
أسّس أساس البناء الفكري للعمل الإسلامي للقضية الفلسطينية في وثيقة (مخطوطة) في عام 1983 وشارك فيها خالد مشعل، وشحذ همم الشباب المتعطّش للعمل ليستلموا همُ الراية، ودفع أقرانه من جيله في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي أن يفسحوا المجال لهؤلاء الشباب الذين انطلقوا يجوبون الآفاق؛ فكانت بذرة "حماس" في الخارج، والتي التقت على أمر قد قُدِر مع ما بذره الأستاذ حسن القيق وإخوانه في الضفة، وما زرعه ورعاه الشيخ أحمد ياسين في غزة رحمهم الله جميعا، كلّ ذلك في بيئة إخوانيّة ترعى وتدعم وتسدّد هذا المشروع.
أسلَم الراية، وترك الأضواء والتي لو شاء لكان له النصيب الأوفر منها، ولكنّه لم يترك العمل فبقي في مكانته مرشدا وموجهاً ومراقباً للبوصلة كي لا تحيد فما حادت والحمد لله. كذلك لم يترك العلم؛ فهو من العلماء العاملين – ولا نزكّيه على الله – فجمع بين تأليف قلوب الرجال وعقولهم وتأليف الكتب إذ رفد المكتبة الإسلامية بما يربو على ستين كتاباً في العقيدة والفقه والتزكية وغيرها من علوم الشريعة، ومنها ماكان منهجاً أساسياً يتربّى عليه أبناء الحركة الإسلامية في شتى الأقطار؛ وخاصة فيما يتعلّ بعلوم العقيدة.
غزا جسده المرض فما سُمِع منه آه ولا بدرت منه شكوى، كلاّ ولا انزوى عن العمل بل ظلّ مراقباً متابعاً لشؤون الحركة حتى آخر لحظات حياته.
هذا غيضٌ من فيض عالمٍ عامل من علماء هذه الأمّة، نتفاءل برحمة الله وبشائر هذه الرحمة التي ظهرت بين يديّ وفاته رحمه الله؛ فقد قبض في جمعة رمضانية من العشر الأواخر المباركة، فلعل ذلك فأل خير بحسن الخاتمة إن شاء الله، وممّا يزيد الأمل بالله ما رواه تلميذه الشيخ محمّد عبد العزيز الذي رافقه لحظة نزعه الأخير وهو يقرأ عليه القرآن؛ فدمعت عينه – رحمه الله – ثم ابتسم وخرجت روحه الطاهرة إلى بارئها وهو على هذه الحالة، ونحسبها عاجل بشرى المؤمن: ابتسامة الرضا إن شاء الله، والتي ما فارقته حيّا وميتا.
كانت آخر مرة أقابله فيها صيف 2011 في بيروت حيث كان في رحلة علاجية؛ فبادرني بالسؤال: هل سترى "خالد" وإخوانه (يقصد خالد مشعل)؟ قلت له: نعم. فقال: أوصهم على لساني أن يخرجوا من دمشق بأسرع ما يمكن، وليحذروا على أنفسهم من هؤلاء القوم فإنّهم لا يؤتمنون! نعم. كان ذا نظرة ثاقبة رحمه الله.
نفتقدك أبا سليمان؛ فما زال المشوار - الذي بدأته مع إخوان لك سواء ممّن سبقوك للقاء ربهم أم ممن ينتظرون – لم يكتمل.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع