استشراف (إسرائيل) لمستقبل علاقاتها العربية

استشراف (إسرائيل) لمستقبل علاقاتها العربية

د. عدنان أبو عامر
2012-08-01

كان للثورات السلمية في العالم العربي تأثيرات عديدة تتعلق بأنها ضربة العديد من المسلمات التي سادت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأحدثت تغييرا سياسيا عميقا ولها قدرة كامنة على تغيير…

كان للثورات السلمية في العالم العربي تأثيرات عديدة تتعلق بأنها ضربة العديد من المسلمات التي سادت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأحدثت تغييرا سياسيا عميقا، ولها قدرة كامنة على تغيير وجه المنطقة، ومن بينها علاقات "إسرائيل" مع جيرانها العرب، والاتفاقات الرسمية بينهما، وبقيت صامدة سنوات عديدة.

وقد طرحت الثورات في العالم العربي علامات استفهام حول فرص بقاء واستمرار هذه الاتفاقات، والقدرة على الصمود في وجه ضغوط القوى السياسية التي عارضتها في الماضي، بل ورفضت الاعتراف بـ"إسرائيل".

• مصير "كامب ديفيد"

يرى الإسرائيليون أن معاهدة السلام مع مصر كفيلة بأن تكون حالة اختبار أولي لتأثير الثورات في العالم العربي، وتعمل كورقة فحص لباقي الاتفاقات، انطلاقا من الافتراض بأن هناك حكومات عربية أخرى ستسير في أعقاب سلوك النظام الجديد في مصر على نفس النهج، خاصة وأن الاتفاقية محاولة للتوازن بحذر بين مطالب ومصالح الطرفين.

ويتساءلون: هل تحتاج مصر في ظل وجود نظام حكم إسلامي لأن تغير معاهدات السلام مع "إسرائيل" لقطع علاقاتها معها؟ معتبرا أي خطوة مصرية أحادية الجانب لإلغاء العلاقات الدبلوماسية معها خرقاً واضحاً للمعاهدة، وتوجد احتمالية عالية بأن يتخذ الكونغرس الأمريكي عدة خطوات ضد مصر.

وقد أفرزت الانتخابات الأخيرة في مصر التي انتهت بانتصار جارف للإسلاميين توترا بين الميل الأيديولوجي للإسلاميين بتحرير مصر من التزامات المعاهدة، وبين الآثار السياسية والاقتصادية لهذه الخطوة، وسيجدون أنفسهم وراء مقود الحكم، والمشاكل الاقتصادية الهائلة لمصر تضاعفت وتفاقمت.

ومع ذلك، فإن الاستنتاج المحتم أن على "إسرائيل" أن تُعد نفسها لطلب مصري لمفاوضات معادة على الملحق العسكري للمعاهدة، وإذا كانت مطالبها معقولة، فستتصرف بحكمة إذا ما وافقت عليها، قوات أخرى في سيناء يمكنها ان تخفض وضع الفوضى السائد اليوم.

كما أن الحصول على مصادقة متجددة لمعاهدة السلام من حكومة الإخوان المسلمين سيحقق مكاسب سياسية كثيرة تتجاوز علاقات مصر بـ"إسرائيل" في كل الأحوال.

وهنا تعتقد إسرائيل أن واجب الولايات المتحدة أن تواصل جهودها للحفاظ على المعاهدة، ومنع المس بها، والحيلولة دون تدهور العلاقات الصهيونية المصرية كنتيجة لمطالب مبالغ فيها لتغييرها، فالمساعدات الأمنية السنوية من الولايات المتحدة لمصر بملياري دولار، والدور العظيم لنفوذها في المؤسسات المالية الدولية ستؤثر بلا شك على موقف القاهرة من "كامب ديفيد".

• العلاقات مع الأردن

بالحديث عن معاهدة السلام الإسرائيلية الأردنية، فقد أوجدت قيودا على نشر القوات، وتسويات إقليمية في منطقة وادي عربة، وهي تواجه معارضة قوية في الأردن منذ أن وقع عليها، بمشاركة أجزاء واسعة من الفلسطينيين، ومحافل دينية واتحادات مهنية.

لكن الاحتجاجات الحالية ضد الحكومة منذ بداية 2011 لم تجعل المعاهدة مسألة مركزية في مطالبها، لأن موقف الأردن من المعاهدة ستُمليه بقدر كبير مصالح إستراتيجية حيوية، نظرة أمنية بعيدة المدى، ومسائل المياه، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والدور الذي يراه لنفسه في القدس، ما يُملي عليه الحفاظ على المعاهدة، وإن جرى تطبيقها بمستوى منخفض فقط.

كما أن نجاح الملك الأردني في صد الضغوط لإلغاء المعاهدة سيكون منوطاً ببعض التطورات المتعلقة بالمسيرة السياسية الإسرائيلية – الفلسطينية، ومساهمة "إسرائيل" في الاقتصاد الأردني، والتعاون الثنائي في مواضيع المياه، الطاقة والبنى التحتية، ومشاريع اقتصادية مشتركة، مما سيشكل حاجزا يحمي المعاهدة في وجه الضغوط التي تمارس عليها.

•مصير السلطة الفلسطينية

كان للانتفاضات في العالم العربي أن تعقد أكثر فأكثر الأمور في ساحة المفاوضات، فقد شرعت في فترة طويلة من عدم الاستقرار وعدم اليقين، خاصة وأن محاولات حركتي فتح وحماس للوصول لمصالحة تلقت زخما في أعقاب الثورات، وهو ما يشكل تهديدا جديا على اتفاقات أوسلو.

وهناك ثمة حاجة للحفاظ على أساس قانوني وإطار لإدارة التعايش الإسرائيلي – الفلسطيني وشكله، من خلال اتفاق انتقالي جديد بين الجانبين، كخطوة في خريطة طريق متفق عليها وصولا إلى حل الدولتين.

مع العلم أن غياب اتفاقات أوسلو سيخدم من يعارضونه في الجانبين، ويضيف انعداما آخر للاستقرار في المنطقة التي تختبر على أي حال ظروفا جديدة وحساسة، محذرا من خيار حل السلطة الفلسطينية الذي من شأنه أن يُدخل المنطقة بأسرها في وضع جديد من الفوضى.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026