جدول عادي حملت ادعاءات المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية يهودا فاينشتاين بأن الحرم القدسي الشريف هو جزء لا يتجزأ من أراضي إسرائيل ولذا ينطبق عليه القانون الإسرائيلي ولاسيما…
حملت ادعاءات المستشار القانوني للحكومة (الإسرائيلية) "يهودا فاينشتاين"- بأن الحرم القدسي الشريف هو جزء لا يتجزأ من أراضي (إسرائيل)، ولذا ينطبق عليه القانون (الإسرائيلي)، ولاسيما قانون الآثار وقانون التنظيم والبناء- أبعادًا خطيرة جدًا على مستقبل المسجد الأقصى بشكل خاص، ومدينة القدس الشرقية بشكل عام، الذي ظل منذ عام 1967م، هدفا للحفريات (الإسرائيلية) تحت أساساته، بذريعة البحث عن هيكل سليمان المزعوم، وقد ازدادت هذه الحفريات في السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق، عما كانت عليه منذ عام 1967م، الأمر الذي يوضح بما لا يدع مجالا للشك، بأن الهدف من وراء هذه الحفريات كان ولا يزال هو هدم المسجد الأقصى، باعتبار وجوده من الأهمية الدينية والتاريخية، ما يكذب مزاعم (إسرائيل) بالحق التاريخي لها على الأرض الفلسطينية.
ولعل التدقيق في هذه التصريحات الصادرة عن المستشار القانوني للحكومة (الإسرائيلية) في هذا التوقيت بالذات، يكشف المستقبل الذي سيكون عليه المسجد في ظل حكومة "نتنياهو" اليمينية، حيث تخطط الأخيرة جاهدة، إلى جعل المسجد مكانا "خلافيًا" بينها وبين الطرف الفلسطيني، وذلك وصولا إلى تقسيمه، مثلما جرى عليه الأمر للحرم الإبراهيمي في الخليل، بعد المجزرة الرهيبة التي قام بها المجرم" غولدشتاين" في 25/2/1994م، بحق المصلين في المسجد، وراح ضحيتها 29 مصليًا، وأصيب فيها 150 مصليًا آخر، كما أن هذا القرار يطلق يد (إسرائيل) كاملة للتصرف في الحرم القدسي، وبما يلائم مخططاتها، من عمليات هدم وتغيير للمعالم الإسلامية، وذلك بما يحقق الهدف المزعوم لها بإقامة الهيكل، على أنقاض المسجد الأقصى، ولكن هذه المرة بشكل قانوني بذريعة ترميم المسجد الأقصى، على اعتبار أنه جزء لا يتجزأ من أراضي (إسرائيل).
وعلى الرغم من خطورة هذه التصريحات على مستقبل المسجد الأقصى، إلا أن الملاحظ أن السلطة الفلسطينية قد اكتفت كعادتها ببيانات الشجب والاستنكار "المستهلكة"، في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون موقفها بخلاف ذلك تمامًا، وذلك لأن اكتفاءها ببيانات الشجب والاستنكار "المستهلكة"، هو "تصريح" للعواصم العربية، أن يقتصر دورها فيما يجري من تهويد لمدينة القدس الشرقية والمسجد الأقصى، على بيانات الشجب والاستنكار أيضًا، في الوقت الذي تملك فيه هذه العواصم الكثير من أوراق الضغط، للجم حكومة "نتنياهو" ووقفها عند حدها، الأمر الذي من شأنه وقف استمرار (إسرائيل) في التقدم أكثر نحو المس بالمسجد الأقصى، وصولا إلى هدمه، وبالقدر الذي شكل فيه القرار مصادرة للحقوق السياسية والدينية للشعب الفلسطيني وللأمتين العربية والإسلامية، فإن القرار شكل أيضًا صفعة قوية للمجتمع الدولي، الذي ما زال يرفض الاعتراف بأي حق (إسرائيلي) في القدس الشرقية، باعتبارها العاصمة الموعودة للدولة الفلسطينية، كما أن هذه التصريحات تتناقض مع مبادئ وقواعد القانون الدولي الإنساني، وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالصراع العربي- (الإسرائيلي )، وتحديدًا القرارين 242، 338 اللذين ينصان على عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة، (...)، ما يعكس المدى الذي ذهبت إليه حكومة "نتنياهو" اليمينية في تطرفها، وفي إهانة الكل الفلسطيني والمسلم على وجه التحديد.
إن القرار الإسرائيلي يحمل في طياته الكثير من المخاطر السياسية، الأمر الذي يستدعي من السلطة الفلسطينية التحرك سياسيًا على كافة الصعد السياسية، لفضح أبعاد القرار ومخاطره، وأعتقد أن السلطة وفي ظل الربيع العربي، تملك أن تتحرك سياسيًا على الصعيد الدولي بشكل أقوى مما كان عليه الأمر قبل الربيع العربي، لوضع حد لكل ما تخطط له (إسرائيل) من مؤامرات بحق المسجد الأقصى، ويكفي أن تذكر السلطة العواصم العالمية بأن المسجد الأقصى يهم ما يزيد عن مليار مسلم في العالم، موزعين في كافة قاراته الست، وأن "المس" بالمسجد الأقصى، من شأنه تفجير الأوضاع في المنطقة بل وفي العالم أجمع، ولعل من المفيد القول بأن هذا القرار ما كان ليصدر عن المستشار القانوني لو أن عملية السلام قد وصلت إلى نهايتها، وهو الأمر -الذي للأسف - لم تقتنع به السلطة بعد، التي ما زالت لأسباب غير معروفة، تعلن عن تمسكها بعملية السلام، وبالمفاوضات كخيار أول وأخير لها مع (إسرائيل).
ولعل من الأهمية بمكان التذكير بتصريحات "نتنياهو"، في ذكرى احتلال القدس الشريف حينما قال: "الحوض المقدس جزء من أراضي إسرائيل"، والحوض في الأدبيات الإسرائيلية هو الأرض المقام عليها المسجد الأقصى المبارك، ما يؤكد أن تصريحات المسئول الإسرائيلي، لم تكن صدفة، بل تعبر عن موقف إسرائيلي رسمي تصر حكومة الاحتلال على التمسك به، وترفض التنازل عنه، وهذا من أسباب فشل قمة "كامب ديفيد" الثانية بين رئيس حكومة (إسرائيل) "يهود باراك" آنذاك، ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، حينما طالب باراك باقتسام الحرم القدسي بين اليهود والمسلمين.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع