جدول عادي لا صفة أعظم ولا وصف أبلغ من أن تصف شخصا ما بأنه إنسان فبين ثنايا هذه الأحرف كل القصص والحكايات التي يمكن أن نختزلها في سطور أو أن نعبر عنها في مقال الفئة الموجهة لها مقالي…
لا صفة أعظم ولا وصف أبلغ من أن تصف شخصاً ما بأنه إنسان، فبين ثنايا هذه الأحرف كل القصص والحكايات التي يمكن أن نختزلها في سطور أو أن نعبر عنها في مقال.
الفئة الموجهة لها مقالي هذا فئتان، الأولى أولئك الذين يعرفون الدكتور محمد غزال سواء من تتلمذ على يديه في الجامعات من عام 1980م وحى تاريخ اعتقاله أو الذين عايشوه في الأسر والحياة العامة، وهؤلاء أي هذه الفئة أكثر الناس معرفة بصدق ما سأنقل لكم وما سأكتبه عن الدكتور لا على العكس من ذلك أظنهم سيعتبون عليّ لأني لم أوصل إلا القليل عن حقيقة الدكتور محمد غزال الإنسان.
أما الفئة الثانية المستهدفة من مقالي فهم أحباب الأسرى وأحباب فلسطين الذين يتربّون على سير الرجال ويعيشون قصصهم ويتمنون معرفتهم واللقاء بهم وما أكثرهم، أنقل لهم قصص هؤلاء لأنقل حبهم المزروع في قلبي وقلب من يعرفهم لقلوبكم وما أعظم الحب المنقول من كلمات إلى صدور.
لهذا الرجل كاريزما خاصة مجموعة كبيرة من الصفات التي يتمنى كل إنسان أن تكون به حباه الله بتواضع وتفاني كبير تراه يحضّر الطعام لإخوانه ويا لها من لحظات كنا نعيشها وهو يصنع (سلطة التونا) الخاصة نمزح نمرح نعلق وهو في غاية السعادة لخدمته إخوانه وإطعامهم من صنع يديه.
لا يقبل الدكتور غزال إلا أن يشارك في عملية التنظيف اليومية وشطف الغرفة وجلي الصحون يرفض الشباب فيهبّون من على أبراشهم العالية يحاولون منعه من ذلك لكبر عمره ومكانته فيصرّ ويقسم أنه هو من سيقوم بتنظيف كل شيء، كان يريد أن يعلمنا أن القائد والكبير هو الذي يتواضع أمام إخوانه وأن خدمة الإخوان عمل يتقرب به المرء لربه.
لا أعلم أني في يوم من الأيام أو فترة من الفترات استفدت من أحد وتعلّمت من إنسان كما تعلّمت من هذا الرجل موسوعة في كل شيء لا يوجد علم من العلوم لا يعرف به أو لا يستطيع أن يتحدث عنه له فلسفة وطريقة خاصة في تفسير القرآن الكريم ولديه لفتات تسرق العقول.
في الجانب السياسي لديه بعد نظر كبير ولا يمكن إلا أن تنزل عند رأيه حتى حين كنت أنا ومن معي نختلف معه حول نقطة ما كان يستمع لنا ومن ثم يخضع الأمر للنقاش وفي النهاية لا يسعك إلا أن تهزّ رأسك وتقول كلامك صحيح.
عشت معه في ذات الغرفة أكثر من أربعة شهور كنت خلال هذه المدة أتمنى أن أجد تصرفاً أو سلوكاً له لا يعجبني أو منفرا فلم أجد أي شيء نحن بشر لدينا سلوكيات قد لا نتفق عليها وقد لا تعجبنا والسجون أماكن تكشف هذه السلوكيات أما مع الدكتور غزال فلن تجد إلا ما يسرك ويرضيك ويجعلك مأسوراً في حب هذا العملاق.
بين يديه تعلّمت معاني التنمية البشرية وقلت له ذات مرة لو أنا مسئول في هذه البلد وأقرر لمنعتك أن تدرّس الهندسة ويجب أن تكون أستاذ التنمية البشرية الأول فأنت ساحر بكل ما تعني الكلمة من معنى وطلابه الذين درسوا مادة الهندسة والمجتمع يعرفون معنى كلامي.
قلت له ذات مرة أنها المرة الأولى التي ألتقي بشخص في مكانتك يتحدث عن زوجته وبيته وأولاده بكل هذا الحب فقد تعوّدنا ممن يكبروننا وتربينا على أياديهم عدم سماع مثل هذا الحديث عن أسرته وعائلته.
الدكتور غزال رجل يحب أسرته وزوجته وكثير الذكر لهم والحديث عنهم وعن مناقبهم وصفاتهم وطيب خلقهم وثقافتهم وهذا أمر يوضّح كم هذا الرجل عظيم لا ينسى فضل أهله، وأذكر ذات مرة أنه أحضر الكيك وما تيسر من حلويات بسيطة واحتفل بميلاد ابنته الصغيرة وكأنه يريد أن يقول لنا حتى ونحن في الأسر يجب أن لا ننساهم ويجب أن نشعر أننا معهم ونحتفل بهم ويا له من موقف.
الدكتور الذي يحمل شهادة الدكتوراة في الهندسة خريج روسيا وأمريكا محطّ إجماع وإعجاب الجميع من جميع الفصائل والاتجاهات، في أحد الايام حدثت مشكلة كبيرة ما بين شخصين من فصيلين وكادت الأمور تنفجر وتصل لمرحلة الاشتباك بالأيادي وكنت غير قادر على عمل شيء فقط ذهبت لهذا الرجل وقلت له نحن في ورطة كبيرة، خرج وبكل هدوء ودخل عند الطرف الأول فإذا ببراكين غضبهم تهدأ أمام كلمات الرجل حين قال (السلام عليكم يا أحباب..) وقفوا له وسلّموا عليه وجلسوا وتحدث بكلام سالت منه الدموع عن الأخوة والوطن ومكارم الأخلاق.
خرجنا من غرفة هذا الفصيل وتوجهنا لغرفة الفصيل الآخر والذي كان يهدّد ويحذر فما إن دخل عليهم الدكتور غزال حتى وقف الجميع ورحب به فبادلهم الترحيب بترحاب وابتسامة ومن لا يعرف ابتسامة الدكتور غزال وروحه الطيبة فقد فاته أمور عظيمة، وجلس وتحدث ولام عليهم وقبل أن يخرج قالوا له كل ما تريده سننفذه يا دكتور وهذا ما كان، لدرجة أن مدير السجن والقسم الذي كان قد أعد الوحدات للتدخل حال تطور المشكلة انبهر ولم يصدق أن المشكلة انتهت في هذه السرعة وبهذه الطريقة الهادئة الأمر الذي جعل مدير السجن يرفض إخراج أو نقل الدكتور من قسمه لأنه عامل استقرار وضبط داخل السجن.
موقف لا يمكن لي أن أنساه حين كان لدى الإخوة في الأسر قرار منع الدخان داخل الغرف وكان هناك أحد الشباب الأسرى الذي لا يريد أن يلتزم ووصلت الأمور لحدود صعبة جداً وشبه قطيعة طلب الدكتور أن يجلس مع هذا الرجل وما هي إلا دقائق حتى انكب هذا الشاب على الدكتور يقبّله ويعانقه ويعتذر منه معلناً إقلاعه عن التدخين، الأمر الذي جعل الحضور وأنا أحدهم نبكي من شدة الموقف، قال لنا الشاب في حضرة الدكتور : قدمت إلى هذا الاجتماع وأنا مقرر أن أبقى على موقفي وأن أخرج من الجلسة للزنازين ولا أريد العيش معكم فإذا بالدكتور يسحرني بطيب كلامه وكان ما كان.
الإنسان الدكتور محمد غزال المحبّ لأسرته الخادم لإخوانه المعطي بلا حدود المحاضر الجامعي بكّاء كثير التأثر بالمواقف والقصص الإنسانية يقوم الليل ويصوم الاثنين والخميس بالرغم من إصابته بالضغط ولا يقع كتاب بين يديه إلا ويلخّصه يستيقظ مبكراً ليلعب الرياضة ويركض بالساحة العامة وعمره 55 عاماً فهو يحمل شعار المسلم القوي.. لاعب طائرة سابق يلعب التنس وتتسابق الشباب للعب معه يلعب الشطرنج محترف يتقن أغلب الألعاب وكأنه يريد أن يقول لنا في كل مجال يجب أن تكون وفي كل مكان يجب أن تثبت نفسك.
محب لإخوانه وبالذات الذين عاش معهم وعمل معهم لا يذكر أحداً إلا بخير، حدّثنا عن مناقبهم وصفاتهم وكيف كانوا من رحل منهم ومن ما زال ينتظر لا يجلس أي مجلس استغابة يحبّ النشيد وبالذات القديم منه يعيش معه تحلق روحه بعيداً مع الكلمات، كان يبكي لما يجري في سوريا وكان يدعو لهم حدثنا عن التاريخ وكيف أن التاريخ يعيد نفسه كان يعيش مع مصر وميدانها.
حدّثنا عن أننا دعوة اجتماعية كان له كلام لن أنساه عن التسامح وحب الآخر وتقبل الآخر عن المستقبل الواعد عن البقاء للأفضل عن الصبر وعن الرضا بقضاء الله وقدره عن التحمل عن التحقيق الذي خضع له عام 2006 عن متى تتحدث ومتى تصمت والدرس الأعظم كان.. لا تحكم على إنسان قبل أن تجربه وتجلس معه وعن عدم إطلاق الأحكام المجردة وعن أن نعذر بعضنا وحدثنا وحدثنا كلام لا أستطيع أن أنساه ولا أن أتحدث عنه لأنه يثير في النفس شجون.
قلت لأكثر من شخص ممن يعرفون الأستاذ الدكتور الإنسان محمد غزال عن مدى إعجابي بشخصه وأني استفدت منه (خلال خمسة شهور) على الصعيد الثقافي والسلوكي أكثر بكثير مما استفدته بحصولي على شهادتيّ ماجستير فابتسموا لما قلت وقالوا نعرف ذلك فهذا الدكتور غزال.
أما لك يا دكتور فإني أقول والله يشهد أني ما تحدثت إلا بالقليل مما فيك وما كلامي هذا إلا شهادة صدق لا أبتغي منها إلا رضا الله ونقل حبك من قلبي لقلوب من لا يعرفونك ممن سيقرءون هذه الكلمات وأنت تعلم والجميع يعلم أن الشهادات بحق أمثالكم ليست بالأمر الهيّن في مثل كهذا أوقات ولكن تستحق ومن علمك نهلنا ولك حق علينا يا أبانا وأخانا..
وابق في سمائنا وحياتنا وروحنا نجماً ساطعاً تطلّ علينا في سماء هذا الوطن، وهدى للسائرين على الطريق.دمت لكل محب لك ولكل إنسان غيور ولكلّ صاحب مبدأ أفنى حياته لأجله يا أبا خبيب.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع