جدول عادي يبدو أن الولايات المتحدة قلقة للغاية من قضية اللاجئين الفلسطينيين وتسبب لها إزعاجا كبيرا وتريد أن تتخلص وتخلص حليفتها المدللة الدولة العبرية من هذا الكابوس الذي يدق…
يبدو أن الولايات المتحدة قلقة للغاية من قضية اللاجئين الفلسطينيين وتسبب لها إزعاجاً كبيراً، وتريد أن تتخلص وتخلص حليفتها المدللة "الدولة العبرية" من هذا الكابوس الذي يدق مضاجعهم في كل لحظة، لا بل تريد أن تتجنب المسألة والمساءلة لا أقول الإنسانية بل القانونية، لأن ما يسمى بمصطلح الإنسانية وحقوق الإنسان أصبح أمراً غير متداول في قواميس دولة كبرى تطلق على نفسها "شرطي العالم" خاصة حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية وبالأحرى قضية اللاجئين التي تتعامل معها بقسوة العصا لا بلين الجزرة.
نعم إن تمسك وتشبث اللاجئين الفلسطينيين بحق العودة أصبح مدعاة قلق لدى الساسة والشيوخ الأمريكان، فكم هو تافه مشروع القرار الذي تقدم به 30 سيناتورا من مجلس الشيوخ الأميركي يتزعمهم السيناتور الجمهوري المتصهين مارك كيرك لحجب المساعدات الأمريكية المقدمة للأمم المتحدة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين، والذي يطالب وزارة خارجيته، الإجابة عن أسئلة ساذجة إن لم تكن أسئلة وقحة وقبيحة تصدر عن أكبر معاقل المنحازين للصهيونية في العالم.
فتساؤل مجلس الشيوخ عن أعداد اللاجئين ونسلهم وأحفادهم وربط الخدمات والمساعدات المقدمة لهم بالمصالح الأمريكية الإسرائيلية الأمنية في منطقة الشرق الأوسط، هو دليل على الميل الكامل للعنصرية البشرية وعدم الاعتراف بحقوق الإنسان الذي طرد وشرد على مدار عقود طويلة في مخيمات اللجوء والشتات، في حين يشد على يد الصهاينة الذين ارتكبوا ضدهم المجازر والمذابح واستولوا على بيوتهم وممتلكاتهم وانتهكوا حقوق الإنسان وكل ما حرمته القوانين والأعراف والمواثيق الدولية.
فليس من حق مجلس الشيوخ طرح الأسئلة وإصدار القوانين لأنه يمثل جزءًا من الشعب الأمريكي، بل يجب عليه الإجابة عن التساؤل القائل، كم هي حجم المساعدات السنوية والطارئة المستقطعة من ميزانية الدولة العامة ومن أموال الضرائب والفوائد النقدية والجباية الجمركية المقدمة لدولة الاحتلال التي هجرت آلاف بل ملايين الفلسطينيين؟!.
لم يكن هذا المشروع البغيض هو أول مشاريع مناهضة حق العودة للاجئين الفلسطينيين هو الأول، فقد سبق وأن قدم مجلس العلاقات الخارجية الخاص بمجلس الشيوخ الأمريكي في نوفمبر عام 2009 مشروعا ديمغرافيا لإيجاد حلول وهمية مماثلة كمقدمة للتدرج شيئا فشيئا وصولاً إلى إسقاط هذا الحق بالتقادم في النفوس والنصوص، على شكل أربعة سيناريوهات توضح مشكلة التكدس السكاني في المستقبل وما ينتج عنها من تهديدات في الزيادة السكانية التي من المتوقع أن تحدث في حال عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى فلسطين، وهي كالتالي:
فيتحدث السيناريو الأول عن استمرار الحالة الراهنة، الخاصة بمعدل النمو السكاني لدى اليهود الذي يصل إلى 1.8% يقابله 3.2% لدى الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وأن الفارق بين اليهود والفلسطينيين سيتضاءل تدريجيا حتى يتساوى سنة 2050 عدد اليهود بالفلسطينيين ليصل عدد السكان الإجمالي إلى 10.5 ملايين نسمة.
ويتحدث السيناريو الثاني عن اعتماد "خيار الثلاث دول" وهي (إسرائيل) والضفة والقطاع، وفي هذه الحالة ستبقى (إسرائيل) الأكثف سكانا من الضفة والقطاع وفي حال عودة اللاجئين الفلسطينيين من دول الجوار إلى الضفة فستتفوق الضفة على (إسرائيل) سكانيا في غضون 20 سنة.
وكما يتحدث السيناريو الثالث عن "خيار الدولتين"، وذلك بإقامة دولتين متجاورتين منفصلتين تتعايشان بسلام, ففي حال عدم عودة اللاجئين الفلسطينيين ستبقى (إسرائيل) متفوقة سكانيا.
أما السيناريو الرابع فيتحدث عن خيار "الدولة الواحدة" أي ما يسمى بـ"خيار الأمتين" بحيث تكون (إسرائيل) والضفة والقطاع دولة ديمقراطية واحدة بمواطنين عرب ويهود وبحقوق متساوية، وهذا الحل سيوصل السكان عام 2010 إلى 12 مليونا، يتساوى فيها العرب واليهود بواقع ستة ملايين من كل طرف, ولكن معدل التنامي السكاني لدى العرب كما يبدو بوضوح هو الأعلى، ما يعني أنهم سرعان ما سيفوقون اليهود، لتصبح نسبتهم الثلثين من سكان الدولة الواحدة.
نقرأ من مجمل هذه السيناريوهات بأنها كلمة حق يراد بها باطل وما هي إلا للتعجيز لا تقديم الحلول العادلة والمنصفة للاجئين، حيث تشير إلى التحذير المباشر من عودة اللاجئين سواء إلى المناطق المحتلة لعام 67 أو إلى 48 وانه سيكون زيادة في الحمل بأن البلاد ليس بمقدورها اتساع الزيادة السكانية، وكل هذا تمهيد لرفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم الذين هجروا منها قسراً.
إذن الحلول الأمريكية لقضية اللاجئين الفلسطينيين تأتي من بوابة رفض العودة ورفض تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948 ولكل الاتفاقيات الخاصة بحق عودة لاجئي الحروب إلى بلادهم الذين طردوا منها. فلو ربطنا قرار الكونجرس هذا بالسيناريوهات سابقة الذكر وقارناها بخطة خارطة الطريق ومن قبلها بمقترحات الرئيس الأسبق بيل كلينتون لعام 2000 ومقترحات الرئيس الحالي أوباما، نجد أنها كلها تصب في عدم جدية الإدارة الأمريكية في إيجاد حل لقضية اللاجئين الفلسطينيين. فالولايات المتحدة في كل مناسبة من مناسبات ومراحل التفاوض تحاول ترحيل ملف اللاجئين الفلسطينيين إلى ما يسمى بالحل النهائي وتصر على إصرار دولة الاحتلال الإسرائيلي بعدم البت في هذا الملف حتى إشعار آخر، اعتقادا منها إمكانية إسقاط حق عودة اللاجئين الفلسطينيين مع مرور الزمن مقتبسة هذه الفكرة من فكرة إسقاط حق السكان الأصليين لأمريكا "الهنود الحمر"، لكن المقارنة هنا تختلف كليا من حيث الحق الوجودي والتاريخي، فربما الهنود الحمر قد لا توجد لهم حضارة أو ربما كانت وانتهت أو لا يوجد لهم تاريخ وتراث وديانة ومقدسات تشهد على أصلهم وحقهم الوجودي، أما الشعب الفلسطيني فله تاريخ عريق شاهد على وجوده وحضارته وتراثه ومقدساته الدينية، لذا فهو ثابت على حقه في العودة إلى بلده فلسطين التاريخية ولا تراجع عن هذا الحق.
واللافت للنظر أن مشروع القرار العنصري هذا قد جاء في الموعد الذي نتذكر فيه نكبة فلسطين ومأساة اللاجئين الذين طردوا قسرًا وإجبارا من بيوتهم ومساكنهم ومدنهم وقراهم بفعل حملات التطهير العرقي والمجازر التي كانت تقوم بها الحركات الإرهابية الصهيونية ضد الأطفال والنساء والشيوخ والشباب ولم يسلم من شرهم الحجر والشجر والحيوانات.
أختم مقالي هذا، بأن حق العودة إلى الوطن حق أساسي، وليس مجرد حق سياسي، فالحق السياسي يمنح ويبدل، في حين أن الحق الأساسي يبقى، مدى الدهر، حقا ثابتا وغير قابل للتصرف أو السقوط وغير مرتبط بتقديم حفنة من المساعدات التموينية والإغاثية أو صدقة من أي طرف ما كي يستغلها في تسييس قضية اللاجئين الفلسطينيين حسب مصالحه.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع