جدول عادي يظن البعض بان الأوضاع في الضفة قد استقامت ويسودها الهدوء وأن السلطة قادرة على تطبيق مشروعها الدايتوني الأمني بإزهاق روح المعارضة والمقاومة بمنع خروج الأصوات المعارضة…
يظن البعض بان الأوضاع في الضفة قد استقامت ويسودها الهدوء وأن السلطة قادرة على تطبيق مشروعها الدايتوني الأمني بإزهاق روح المعارضة والمقاومة، بمنع خروج الأصوات المعارضة لهم حتى تظهر السلطة الفلسطينية وحكومتها على الساحة وكأنه لا يوجد لها معارض وان الأمور تسير على نحو جيد، لتهيئ الأجواء حسب رغباتها، والدليل على عدم صحة هذا القول والظن أن الملف الأمني لم يغلق إلى اللحظة والاعتقالات السياسية تسير على قدم وساق إخلاصا لاتفاقية التنسيق الأمني، والسبب في ذلك عدم التزام قادة فتح ومسؤولي السلطة بما وقعوا عليه بشأن المصالحة.
سبق وان احتجت الكتلة الإسلامية في بيرزيت واعتصمت في مقر الحرم الجامعي الشهر الماضي معلنة الإضراب عن الطعام احتجاجا على سياسة تكميم الأفواه والاعتقالات السياسية والاستدعاءات التي تتبعها الأجهزة الأمنية في الضفة وتدخلها المستفز في شؤون الجامعة والطلاب على مدار السنوات الخمس الماضية ولم تتوقف رغم التزام حكومة حماس في غزة بما تم الاتفاق عليه في تفاهمات القاهرة والدوحة، التي أصبحت لا تعيرها السلطة أي أهمية في سبيل الإخلاص لمنظومة التنسيق الأمني التي تعتبرها الأهم في استمرار بقائها ووجودها، وما تلويحها بورقة المصالحة إلا مناورة تريد بها تهدئة الموقف في بيرزيت وغيرها من مناطق الضفة المكوية بنيران التنسيق الأمني، كي تتفرغ لما هو أهم في أجندتها ألا وهي المفاوضات السلمية.
فلو أن السلطة صادقة القصد تجاه تحقيق المصالحة لأوقفت كل أشكال التنسيق الأمني وأعطت الحرية للطلاب في ممارسة حياتهم التعليمية العادية في مواسم الانتخابات وغير الانتخابات.
فبماذا تترجم الهجمة الجديدة من قبل الأجهزة الأمنية على الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت بعد أن التزمت السلطة وأجهزتها الأمنية بعدم ملاحقتها والاعتداء عليها وعدم التدخل في شؤون الجامعة وإغلاق ملف الاعتقال السياسي حتى لا تتكرر المأساة مرة أخرى.
وسؤالي هنا، هل أصبحت الكتلة الإسلامية والطلاب والجامعات الشغل الشاغل لدى الأجهزة الأمنية بفرض عضلاتها عليهم بين الفينة والأخرى لتختبر قوتها وسطوتها كي تبرهن على كفاءتها وتثبت مهاراتها وجدارتها لزملائها الإسرائيليين في دائرة التنسيق الأمني؟ أم تريد إثبات أن الضفة كسنغافورة عبارة عن واحة من الهدوء والأمان والاستقرار، كي يحلو للمستوطنين العيش فيها بسلام وأمان؟
ولكي تثبت الأجهزة الأمنية صحة النظريتين السابقتين عند سادتها الإسرائيليين شنت من جديد حملة تطهير للعنصر الحمساوي في جامعة بيرزيت لوأده من الجامعة وملاحقته خارجها، بحسب رؤيتها "قص العشب قبل أن يصبح شوكا جارحا"، فجاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، فالكتلة الإسلامية موجود وثابتة ولا يستطيع كائن من كان قلعها من جذورها الممتدة في كل أرجاء الضفة، فقد تقدمت الكتلة الإسلامية للانتخابات الطلابية في جامعة بيرزيت رغم ملاحقتها داخل الجامعة وخارجها ومنع عناصرها ومؤيديها ومناصرها من الوصول إلى حرم الجامعة أثناء العملية الانتخابية بإيعاز منهم للسائقين بعدم نقل كل من يعتقد أنه ينتمي إلى الكتلة الإسلامية ناهيك عن الاستدعاءات والتهديدات المستمرة والتحذيرات من قبل الأجهزة الأمنية بعدم التصويت لصالح الكتلة الإسلامية، كل هذا يرجع إلى تخوف السلطة من تقدم كتلة حماس كما حصل في انتخابات عام 2009 حين حصلت كتلة الشبيبة حينذاك على 24 مقعدا وحصلت كتلة حماس على 22 مقعدا.
فجرت انتخابات بيرزيت في 4/4/2012 بمشاركة 9 كتل طلابية منها كتلة الوفاء الإسلامية التي حصلت على المركز الثاني بالفوز 19مقاعدا من أصل 51 مقعدا، تتقدمها كتلة الشهيد ياسر عرفات (الشبيبة الفتحاوية) في المركز الأول بفارق 7 مقاعد، فيما حصل القطب الطلابي (الجبهة الشعبية) على خمس مقاعد، ومقعد واحد لكتلة فلسطين للجميع. فحصول الكتلة الإسلامية على المقعد الثاني بعد مقاطعتها لها لمدة سنتين لهو مؤشر مبشر بالخير ويدلل على تماسكها وقوتها وتقدمها المستمر رغم فعل ضدها كل ما يمكن أن يخطر على بال بشر، ولم تسجل الكتلة انهيار ساحقا مدويا كما خطط لها, رغم استمرار التضييق بشكل أكثر منهجية, واشمل نطاقا, وأشرس واعنف تسلطا.
فالشمس لا تغطى بغربال، بان نتائج انتخابات بيرزيت كان مخططا لها مسبقا كمخرجات منتظرة لسياسة الإقصاء والسحق والملاحقة والعمل بكل المستطاع على تراجع شعبية كتلة حماس الطلابية, ولكن النتيجة بالأرقام كانت صدمة كبيرة لهم ومتوقعة من قبل المنصفين، بمعنى انه لو توفرت الأجواء الديمقراطية السليمة والنزيهة لأبناء ومناصري كتلة حماس مثلها مثل أبناء بقية التنظيمات وخاصة الشبيبة الفتحاوية لحققت نتائج أفضل وفوز اكبر، فحسب المراقبين أن عدد مقاعد حماس في جامعة بيرزيت كان اكبر قبل الانتخابات، وهذا أن دل على شيء فإنما يدل على واقع الخطط والتآمر والتضييق والإقصاء والتغييب والنتائج الموجودة والمعدة مسبقا من خصوم كتلة حماس.
وان كان هذا هو واقع الحال في بيرزيت وباقي مناطق الضفة فلا بأس، فالنتائج رغم كل هذا جاءت لتؤكد استمرار كتلة حماس بازدياد نفوذها وشعبيتها كقوة رئيسية وأساسية لا يمكن للعالم ولا للجوار الإقليمي ولا للواقع المحلي تجاهلها أو تهميشها أو شطبها عن الخارطة السياسية، ومشاركتها في كل انتخابات تجرى على ثرى فلسطين دلالة على فشل المخططات التي ثم رسمها وتنفيذها على مدار الخمس سنوات الماضية وما قبلها، للقفز من جديد، كما علمتنا فتح طوال العهد السابق، على استحواذ السلطة والحكومة لصالح الحزب الواحد والأوحد دون منافس له عملا بالنظرية المستمدة من الأنظمة العربية البائدة التي تسقط واحدة تلو الأخرى كورق الخريف. وستبقى هذه الصورة حاضرة في الأذهان وخير شاهد على نية السلطة وحركة فتح التي تتزعمها بالدعوة لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، هذا إذا صدقت نيتها وجديتها أصلا في إتمام المصالحة.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع