صواريخ وأنفاق القسام .. أذلَّت شارون حتى اندحر

صواريخ وأنفاق القسام .. أذلَّت شارون حتى اندحر

د. أحمد محمد بحر
2005-08-30

المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ثاني مسجد على الأرض بعد المسجد الحرام مصلى الأنبياء ومقصد الأولياء ومهبط الوحي أرض المحشر والمنشر من صلى فيه فكأنه صلى في السماء…

المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ثاني مسجد على الأرض بعد المسجد الحرام مصلى الأنبياء ومقصد الأولياء، ومهبط الوحي، أرض المحشر والمنشر، من صلى فيه فكأنه صلى في السماء، ما فيه موضع شبر إلا وقد صلى عليه نبي مرسل أو قام عليه ملك مقرب، الصلاة فيه بخمسمائة صلاة. هو آية في كتاب الله " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " الإسراء آية1.  فتحها محمد صلى الله عليه وسلم بروحه وجسده ثم تسلم مفاتيحها عمرو بن الخطاب بعد أن دخلها بأربعة آلاف مجاهد من الصحابة الكرام وعلى رأسهم أبو عبيدة بن الجراح. هؤلاء الصحابة الذين جبلت دماؤهم بتراب الأقصى وفلسطين ومازالت قبورهم شاهدة على ذلك أمثال الصحابي شداد بن أوس الأنصاري وعبادة بن الصامت، وغيرهم لقد انتصر المسلمون بعزة الإسلام كما قال الفاروق عمر رضي الله عنه حين دخل بيت المقدس إن الله أعزنا بالإسلام فإذا ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله ثم انتكس المسلمون بسبب ضعفهم واختلافهم حتى جاء الملك العادل نور الدين محمود زنكي فصنع منبر الأقصى من خشب الأرز وطعمه بالعاج والذهب وأعدَّه ليوم فتح بيت المقدس حيث أمضى عشرين عاماً من العمل والاستعداد فوحد الأمة وعبأ طاقاتها روحياً وعسكرياً وسياسياً واقتصادياً إلا أن الله اختاره شهيداً قبل أن يحقق أمنيته، ثم جاء من بعده تلميذه صلاح الدين الأيوبي فأكمل المشوار وأعدَّ جيشاً من المسلمين المحافظين على صلاة الجماعة وخاصة صلاة الفجر وخاض به المعركة الفاصلة في حطين سنة 583هـ فهزم الصليبيين شر هزيمة ثم توجه إلى بيت المقدس ففتحها بفضل الله ورعايته بعد أن دنسها الصليبيون أكثر من تسعين عاماً حيث لم يرفع فيها آذان. ثم انتكس المسلمون بسبب ضعفهم واختلافهم حتى سقطت بغداد على يد التتار سنة 656هـ ثم أفاق المسلمون من غفوتهم وبعد سنتين أعادوا الكرة على التتار فهزموهم شر هزيمة في معركة عين جالوت سنة 658هـ بقيادة الملك المظفر قطز ... ثم عاد المسلمون إلى الضعف والهوان والتفكك والانحلال حتى احتل اليهود المجرمون القدس عام 1967م وباقي فلسطين (قطاع غزة والضفة الغربية)، وهضبة الجولان وشمال سيناء ويومها صرح المجرم (ديان) وزير الحرب الصهيوني قائلاً محمد مات خلف بنات. وفي ظل هذا الضعف والتراجع العربي أقدم الصهيوني المجرم الحاقد (روهان) على حرق منبر المسجد الأقصى يوم الخميس 21/8/1969م. ولم يجد الأقصى من ينصره إلا بكلمات الشجب والاستنكار التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ويومها بكت غولدامئير رئيسة الوزراء للكيان الصهيوني ثم ضحكت، ولما سئلت عن ذلك قالت بكيت في اليوم الأول لأني خشيت أن تتحرك الجيوش العربية لنصرة الأقصى ثم ضَحِكت في اليوم الثاني لأنني لم أسمع إلا الشجب والاستنكار. ثم استمر اليهود في تهويد القدس وذلك بزرع المستوطنات داخل القدس وخارجها وحفر الأنفاق من تحتها، وقد بلغ الحفر ذروته سنة 1996م حين أقدموا على فتح نفق يمر أسفل السور الغربي للمسجد والذي يربط بين حائط البراق وطريق الآلام الأمر الذي أثار حفيظة الشعب الفلسطيني وخاصة المقدسيين وأدى إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن استشهاد 65 فلسطينياً وقتل 15 جندياً صهيونياً.

ويتجرأ المجرم شارون باقتحام ساحات المسجد الأقصى المبارك صباح يوم الخميس 28/9/2000م وهو مدجج بثلاثة آلاف جندي من الشرطة وحرس الحدود، ولم يدر أنه فتح قبره بيده، ولم يدر أن عمله الشنيع هو بداية النهاية لدولة الكيان المسخ. لقد أدرك الشعب الفلسطيني أن اليهود وعلى رأسهم شارون لا يفهمون إلا لغة القوة وأن المفاوضات هي مضيعة للوقت ولم تزد القضية الفلسطينية إلا ضياعاً وانحرافاً.

إذن فلتبدأ انتفاضة جديدة، انتفاضة الأقصى المباركة صباح يوم الجمعة 29/9/2000م

ولكن هذه المرَّة بهوية جديدة وبثوب جديد بسلاح العقيدة والإيمان بسلاح التضحية والعطاء انتصاراً للأقصى ولفلسطين الحبيبة أرض الإسراء والمعراج فحمل الراية والحمد لله جيل مسلم لا يعرف إلا طريق الجهاد والاستشهاد في سبيل الله متمثلاً قوله تعالى " وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ " البقرة آية 191. " إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ " التوبة آية 111.

فكان الاستشهاد يون والاستشهاديات .. وكانت عمليات الاقتحام النوعية للمستوطنات الصهيونية .. وكان حرب الانفاق الذي قلب موازين الأمور عند جنرالات اليهود. أما عن صواريخ القسام فحدث ولا حرج !!

لم يطق العدو الصهيوني تكاليف المقاومة الباهظة على المستوى الأمني والمادي والسياسي والاقتصادي والأهم من ذلك على المستوى المعنوي والنفسي الذي أصاب جنوده المدججين ومستوطنيه المحصنين وشعبه الماشين والراكبين والقاعدين والقائمين. رعب، وذلة، وخزي، ومهانة لم يره اليهود منذ أن وطأت أقدامهم النجسة أرض فلسطين الطاهرة. وصدق الله حيث يقول " قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ " التوبة آية14.

لهذا كله قرر شارون الاندحار من غزة هاشم، وفعلاً خرجوا أذلاء مقهورين وكان آخرهم يوم الاثنين 22/8/2005م لقد اعترف شارون بنفسه أن هذا الانسحاب كان بسبب المقاومة، فهو الرجل الذي كان يقول نتساريم هي تل أبيب وهو نفسه الذي يفك المستوطنات التي شيدها وأشرف على بنائها. إنه انتصار للمقاومة وبرنامجها الجهادي، إنه انتصار لصمود الشعب الفلسطيني، انتصار لدماء الشهداء وعلى رأسهم إمام الأمة الشيخ أحمد ياسين والرنتيسي، والمقادمة، وشحادة، والجمالين، ودروزة، وعقل ويحي عياش والغول وأبو الهنود وكل الشهداء انتصار لدماء أبو شنب ومرافقيه هاني أبو العمرين ومؤمن بارود الذي استشهد في ذكرى حرق الأقصى ليظل دمه الطاهر طريقاً على درب الشهادة والتحرير.

هذا الانتصار العظيم للمقاومة باندحار الجيش الذي لا يقهر قد اعترف به الصهاينة على لسان شارون وموفاز وبيرز أما صحيفة هارتس الصهيونية فقد قالت الانسحاب من غزة نصر للمقاومة وبداية انهيار المشروع الاستيطاني .. الفلسطينيون يعدون مسيرات النصر بينما يجلل الحزن إسرائيل بسبب التصدع الداخلي، وفقدان الحلم، ويخشون من مخاطر ما بعد تنفيذ خطة الانسحاب.

ورغم ذلك فقد ذهب بعض المثبطين والمرجفين نحو التقليل من شأن الاندحار الصهيوني من غزة معلَّلين أن مخطط شارون بالانسحاب هو تعزيز الاستيطان في القدس والضفة. نعم هذا مخطط شارون منذ القدم، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا أعلن شارون قبل سنة ونصف خطة الانفصال؟ لقد جاء هذا الإعلان بسبب فشله الذريع في شطب المقاومة التي حاول بكل امكاناته القضاء عليها فلم يستطع. إن هؤلاء الذين يبهتِّون ويشككون في هذا الانتصار العظيم هم الذين كانوا يهاجمون المقاومة ويستهزؤون بها  وهم أنفسهم اليوم وبلا حياء يريدون جني ثمار المقاومة وسرقة انتصارها لمصالحهم الشخصية والفئوية. في هذا اليوم الأغر نهنئ شعبنا وأمتنا بهذا الانتصار نهنئ أسر الشهداء والجرحى، نهنئ أبطالنا الأسرى في سجون الاحتلال، لقد حقق شعبنا الفلسطيني بصموده وعزيمته هذا الانتصار وسوف يكمل المشوار حتى تحرير كل فلسطين من جرثومة الاستيطان والاحتلال وما ذلك على الله بعزيز. " وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا "

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026