جدول عادي تكتسب رواية ليل غزة الفسفوري للروائي والكاتب الفلسطيني وليد الهودلي الصادرة هذا العام عن مؤسسة فلسطين للثقافة خصوصية أهلتها لتشكل إضافة نوعية للرواية الفلسطينية المقاومة…
تكتسب رواية "ليل غزة الفسفوري" للروائي والكاتب الفلسطيني وليد الهودلي، الصادرة هذا العام عن مؤسسة فلسطين للثقافة، خصوصيةً أهَّلتها لتشكل إضافة نوعية للرواية الفلسطينية المقاومة، ولحجز مقعد متقدم على مسرح الإصدارات الأدبية الفلسطيني للعام 2011، ليس فقط لما حوته من جماليات الرواية وجاذبيتها التي تستولي على القارئ مجرد البدء في التهام سطورها الأولى، ولا لظروف ولادتها الاستثنائية، إذ نحتها الهودلي أثناء فترة اعتقاله في سجن النقب الصحراوي، ولا لحصولها على المرتبة الثانية في المسابقة الأدبية للرواية التي أجرتها مؤسسة فلسطين للثقافة في دمشق، لكن أيضًا لانفرادها في تأريخ الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وتناولها لمختلف العناوين المرتبطة بها، كالأهداف التي سعت "إسرائيل" لتحقيقها، والقصف الجوي الوحشي المركز لطائرات الاحتلال، و"الهولوكوست" المروع الذي تعرض له آلاف المدنيين الفلسطينيين، والدمار الهائل الذي أصاب البنية التحتية والأحياء السكنية والمساجد والمدارس والجامعات، ورد المقاومة وتكتيكاتها العسكرية وخطابها الإعلامي ومنطقها السياسي، والمواقف السياسية للأطراف المختلفة المحلية والإقليمية والدولية الرسمية منها والشعبية، ودور الإعلام وتحديدًا الفضائيات العربية...إلخ.
تمحورت الرواية حول شخصية علاء، شاب فلسطيني من سكان قطاع غزة، يدرس الطب في القاهرة، "طويل، نحيف، وجهه دقيق تكسوه سمرة خفيفة تكشف عن روح شفافة، وذكاء عميق يحركه من الداخل" كما أنَّه متمكن من لغة العصر، يتطلع لمستقبل زاهر، يحلم بالتخرج والزواج من خطيبته يسرى.
وهو مواطن عادي، ليس له انتماء سياسي محدد، لكنه يفقه أبجديات الصراع ويعرف أصل المسألة، ويحلم -كما جميع اللاجئين الفلسطينيين- بالعودة إلى مسقط رأس آبائه وأجداده، ويحاول -كباقي المواطنين الغزيين- التأقلم مع الحصار الخانق المفروض على القطاع.
فجأة تندلع الحرب، فيلبي علاء نداء الواجب، وينضم طوعًا لفرق الإسعاف، ويبدأ بمعايشة قصص الحرب المؤلمة ويروي – من خلال رسائله الإلكترونية إلى يسرى وصديقه جون- وحشية آلة الدمار الإسرائيلية التي أهلكت الحرث والنسل، ويسرد قصص أسرٍ فلسطينية أبيدت بالكامل.
وتجسد شخصية علاء حالة الكثير من الشباب الفلسطيني الذي دفعه الاحتلال ووحشيته للالتحاق بالعمل المقاوم، انسجامًا مع الطبيعة البشرية التي تقدس الكرامة الإنسانية، وتسعى للدفاع عن حقها في العيش بحرية، ويظهر هذا الانضمام في مشهد اتسم بالوعي والتدرج، الأمر الذي وفَّر للمقاومة عوامل الصمود والاستمرارية، فأولاً يدخل علاء المشهد مسعفًا، ومع الأيام يأخذ بالتفكير في عمل شيء أكثر نفعًا، فيجرب الإفادة من وسائل الإعلام، ثم ينخرط بالمقاومة إثر استشهاد عائلته وبعد قصف مدرسة الفاخورة، من خلال علاقته مع مقاوم جريح يدعى عبدالعزيز سعادة.
وتعكس قصة انخراط علاء في المقاومة بعد خمسة عشر يومًا من الحرب، صورة لواقع المقاومة الغزية إبان الحرب، ليس فقط كما في مخيلة الروائي، بل كما انعكس في الكثير من تفاصيلها الواقعية التي نشرتها وسائل الإعلام في حينه وأفاد منها الهودلي، فكان الابتعاد عن الارتجالية والتخبط من السمات الأساسية التي لازمت الفعل المقاوم إبان الحرب، وهو ما كشفته يوميات علاء في سراديب المقاومة، سواء في الإجراءات الأمنية المشددة التي اتبعها عبد العزيز أثناء عملية إيصال علاء لأحد مراكز المقاومة، أو على صعيد طبيعة هذه المراكز وطرق العمل داخلها، أو آليات الإعداد لتنفيذ هجمات على مواقع تجمع العدو...إلخ.
ويبدو بأن الهودلي أراد في روايته الجديدة إرجاع المقاومة إلى المربع الأول- كما هي على الأرض- من خلال عرض إنجازاتها الواقعية دون تهويل، فإن تمكنت من إطلاق الصواريخ ونصب الكمائن لبعض تشكيلات العدو وقنص بعضهم؛ فهي لم تسقط الطائرات ولم تأسر الجنود رغم أنها حاولت ذلك، ورجالها -وعلاء أحدهم- ليسوا بأنصاف آلهة، بل من لحم ودم، يمتلكون المشاعر والأحاسيس، ويحلمون بيوم تنتهي فيه الحرب ويكسر فيه الحصار، ويتمكنون من العودة إلى حياتهم الطبيعية.
كما أنه- أي الهودلي- قدمها بثوبٍ جديد، فهي مؤمنة، فأفرادها يقيمون الليل ويصومون النهار ويقرؤون القرآن، وهي لا تقتصر على الذكور دون الإناث، رغم الفوارق في المهمات الميدانية، كما أنها تتكئ على قاعدة فكرية صلبة عمادها "نقاتل لننتصر لا لننتقم"، وهي متجذرة في المجتمع، فالخلاف بين الغزيين ليس على مبدئها ولكن على توقيتها وآلياتها، ظهر ذلك جليًا في النقاشات الحامية التي دارت في ديوانية آل الليموني، ومنطقها- أي المقاومة- أقوى من ادعاءات الاحتلال، يؤكد ذلك جملة الرسائل الإلكترونية التي تبادلها علاء مع صديقه جون، الذي تبين لاحقًا أنه طالب جامعي إسرائيلي، وابن وزير الجيش في حكومة الاحتلال، ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى الرمزية التي مثلتها نهاية الرواية وذلك بإجبار الاحتلال على وقف عدوانه، وانتحار جون بعد صحوة ضمير استثنائية، مما ينبئ بزوال الاحتلال الذي يتمناه الفلسطينيون ومعهم غالبية أحرار العالم، وإن غدًا لناظره لقريب.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع