جدول عادي ساعات قلائل هي التي تفصل المعتصمين عن إنهاء فعاليات اعتصامهم الحادي والثلاثين في محافظة الخليل والتي توزعت على تسعة أشهر تامة جوهر مضمونها الحريات وإعادة الحقوق أما…
ساعات قلائل هي التي تفصل المعتصمين عن إنهاء فعاليات اعتصامهم الحادي والثلاثين في محافظة الخليل، والتي توزعت على تسعة أشهر تامة، جوهر مضمونها: الحُريات، وإعادة الحقوق، أما عناوينها فقد حملت الرسالة الدوريَّة الثَّابتة: "لن نكل ولن نلين حتى يُغلَق ملف الاعتقال السياسي، ويعود المفصولون، وتنتهي حقبة الملاحقة والاستدعاء".
تفاعل الاعتصام مع الحدث على الساحة الفلسطينية، مؤرِّخًا لكل لقاء واتفاق، قائمًا بدور الرقابة على التنفيذ، شاهدًا على صدق الساسة وتصريحاتهم، باعثًا على ألسنة المشاركين فيه رسائلهم المتنوعة التي سكنت ضلوعهم وشغلت فكرهم وحركت ما ركد وسكن في مجتمعٍ "لربما" تعايش مع الذلة والخضوع والاستسلام، أو "لعله" يحيا فاقدًا الأمل في التغيير؛ فهو لا يملك الحرية، ومُحارَب في رزقه وعِلمه، مُلَاحقٌ في سكونه وحركته، و"لعل" هذه الملاحقة غدت نفسية!.
أمانةٌ ثقيلة ورسالة حرة هي التي حملتها همم المشاركين والمشاركات، رغم قلة العدد في بداية التحرك، لكن الثبات كان ولا زال العنوان، وفي كل مرة يزداد التفاعل ويكسر أشخاص جدد حاجز الخوف.
وأدعوا القارئ ليلقِ نظرة خاطفة على العناوين التي حملتها الاعتصامات ضمن الفكرة الجوهرية أعلاه:
[ المطالبة بالحقوق، لا للمساس بالأسرى المحررين، الحريات قبل الحكومة، نعم للمصالحة لا للمماطلة، انتهاك الحُريات يحبط اللقاءات، أوقفوا المفاوضات وأطلقوا الحريات، وعودكم ذهبت وحقوقنا سُلبت، وأخيرًا وليس آخرًا: حقوقنا تُنتَزع ولا توهب. ]
بمراجعة سريعة لها نستطيع أن ننتبه إلى التركيز على جوهر الميدان الفلسطيني إن أردنا له النهوض من كبوته، والاستيقاظ من كسل التقاعس عن نُصرة نفسه وخدمة قضاياه.
إن المشكلة ليست في عنوان المصالحة بل في القضايا التي تغفل عنها الأطراف الموقِّعة على المصالحة، والساعية لإنهاء معاناة 5 أعوام، وإني هنا لا أساوي بين فتح وحماس بقدر ما أريد أن أقول:
لـحماس: لم تضغطي بما في الكفاية ولم نسمع لكِ خطابًا لجمهور الضفة الغربية يلامس جراحهم ويخفف عنهم، وإننا لا يكفينا تعاطف قلوبكم وسعيكم الصامت.
لـفتح: يعلم القاصي والداني أنكِ حجر العثرة وأنكِ غارقة في ارتباطاتك مع الاحتلال، ولا غرابة أن نساوي بينكِ والمحتل إذ كنتِ أداته، والتعطيل الحاصل اليوم لصالح الاحتلال، والمصلحة المرتبطة تعني ببداهة أن هذا هو صالحك، ومهما نظفتم أنفسكم بقضايا صنعها أبطالها مثل خضر عدنان -الذي كان يومًا من الأيام سجينًا لدى سلطتكم-، والأسرى؛ فإن زيفكم يفضحكم وأنتم مَن يعيد اعتقال المحررين، ويُمعِن في جراحات النساء والأطفال ثم ينادي بحقوق الطفل ويوم المرأة!
ولا عجب فإن تناقضكم هذا هو تلبيس إبليس لمن لا يرى، أما مَن نور بصيرتهم هاديهم فيدركون أنكم سر البلاء، وأنَّ للانتماء للوطن وقضاياه طريق يفهمها مَن بذل لها.
إنَّ المعتصِمات اللاتي أبيْن إلا النزول للشارع رغم جراحاتهنّ بفقد الزوج والابن أو الأب والأخ، سطَّرن نموذجًا جديدًا في صنع ريادة التحرك، وإيجاد المساندة الذاتية لأنفسهن ولمثيلاتهن، فهنّ لم يخرجهن ألمهن ومصلحتهن الفردية، بل وعيهن الجمْعي، وتقديمهن للمصلحة العامة على الخاصة؛ ليرفعن عاليًا لافتاتهن مذكرات بالقدس والأقصى ونواب القدس، والأسرى في سجون الاحتلال، إلى جانب قضاياهن المدنية والسياسية، فتبقى بوصلة الانتماء الوطني حاضرة.
نماذج فريدة كشفت معادنها اعتصامات الضفة الغربية، وكانت الخليل الأكثر وفرة، والتطور الملحوظ في الاعتصام الدوري والذي بات يشهده شبان ورجال يعلنون عن قضيتهم التي أخرجتهم بأنفسهم؛ لمؤشر قوي على أثر ثبات التحرك الإيجابي في الشارع الفلسطيني رغم بطء استجابته.
وما ضاع حقٌ وراءَه مطالِب، والحرية لا توهب، والحقوق لا تُمنَح ولا تُعطى؛ ولكنها تُنتَزع، مهما كلفت من تضحيات غالية وعزيزة، ومَن يسكت عن حقه سيموت كمدًا ولن يدري به أحد.
هي التحية لكل حر وحرة أبوْا إلا أن يصنعوا اليوم بأنفسهم موقفًا، يُسطرون به في الغد تاريخنا .
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع