بين الفرحة و الفوضى .. شعرة

بين الفرحة و الفوضى .. شعرة

د. غازي حمد
2005-08-07

الفرحة بزوال الاحتلال مشروعة بل مطلوبة لانها نتيجة جهد و جهاد و صبر لكن ان تتحول الفرحة الى فوضى يختلط فيها الحابل بالنابل فهذا شيء مرفوض بالامكان ان ننظم فرحتنا بطرد الغزاة الاغراب…

الفرحة بزوال الاحتلال مشروعة بل مطلوبة لانها نتيجة جهد و جهاد و صبر , لكن ان تتحول الفرحة الى فوضى يختلط فيها الحابل بالنابل فهذا شيء مرفوض . بالامكان ان ننظم فرحتنا بطرد الغزاة الاغراب بطريقة منظمة و حضارية تعطي الانطباع بانه نصر لكل الفلسطينيين و ليس لجهة او فصيل معين . الفوضى – و هي امر متوقع – ستكون كارثة اذ ان البعض سيستغل هذه المرحلة الرمادية بهدف " التحويش " على اراض او ممتلكات بطريقة ما . ستكون الحجة ان السلطة لم تحرر الارض بالمفاوضات ,و هذا صحيح -,و ستكون الحجة ايضا بمنع الفاسدين من وضع ايديهم على الاراضي ,و هذا مطلوب , لكن اسلوب وضع اليد على الاراضي و المتلكات بطريقة عشوائية و ارتجالية  سيزيد الطين بلة و سيخلق " تنافسا غير شريف " للسيطرة على اراض هي ملك للشعب و يجب ان تسخر لخدمته .نحن –كفلسطينيين – نعاني من مرض مزمن اسمه الفوضى و لم تفلح كثير من المؤتمرات و اللجان و البيانات في تخفيف حدة هذا المرض المزمن و الذي يطال الحياة الفلسطينية في اغلب تفاصيلها و زواياها , بل انه في السنتين الاخيرتين سجل ارتفاعا قياسيا و صار سمة للشارع الفلسطيني . و لست اتوقع بين عشية او ضحاها ان ارى المشهد مقلوبا بمعنى ان  ارىالفصائل و الاحزاب و المؤسسات و عموم الجمهور قد اصطفت في طوابير يتقدمها المسؤولون و القادة و الوجهاء  ,  نحو الاراضي المحررة بدون ان يفرق بيننا اللون السياسي  ,  نرفع الاعلام ونهتف للوطن كي نراقب افول الاحتلال عن قرب و كي نغرس جميعا علمنا الفلسطيني على اراضينا.تقولون انها صورة وردية مثالية لكن اقول ان الذين يريدون ان يبنوا وطنا سليما معافى يجب ان يتصرفوا بهذه الطريقة , لان العبثية و الارتجالية و استعراض العضلات الكل يحسنها ,و هي من شأن الذين لا يعون كيف تبنى الاوطان و كيف تصاغ عقول الجمهور .

الواضح ان السلطة الفلسطينية نفسها تعاني من حالة اضطراب في كيفية استقبال هذا المولود الجديد,  بينما تقف الفصائل "خارج المستشفى " تنتظر نهاية العملية القيصرية لولادة متعسرة . و الجمهور الفلسطيني بانتظار سماع " الصرخة الاولى ". كيف سيكون شكل هذا " الولد " ؟ و هل سيكبر ليكون شابا يافعا ام ان كثرة "مدعي الابوة " ستدعه يتيما  بعد ان فصلت اسرائيل " حبلها السري " الاحتلالي عنه بطريقة وحشية كي يموت ببطء . غزة قد تكون نضطر وضعها في اسرة " الخدج " لفترة من الزمن لنر ان كان بمقدور هذا " المتخلق " من رحم السياسات المتضاربة الغريبة ان يعيش طبيعيا .. ام سنحتاج ان نمد له" الانبوب الاصطناعي " كي يتنفس من " اسطوانة" الدول المانحة الى فترة من الزمن قبل ان نكتشف بان التنفس الاصطناعي لا يمنح صحة و عافية طبيعية !!. سيكثر المهنئون لهذا الصبي الجديد لكن الخائفون عليه اكثر , لذا من المهم ان " نتروى " في اندفاع الفرحة كي لا يظن العالم اننا قد حزنا فلسطين و استرجعنا بيت المقدس .من المهم ان نعطي تفسيرا مقنعا للمهنئين بان هذا المولود الجديد قد يضطر ان يعيش فترة طويلة يتيما ريثما تأتي بقية العائلة من هناك ...حيث لا يزال المحتلون يربضون فوق صدورها .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026