جدول عادي رسالة إلى والدي رجل المحراب والبندقية يوسف السركجي السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته أسعد الله أوقاتك بكل الخير والمحبة يا والدي كيف أحوالك وما هي أخبارك هل فرغت…
رسالة إلى والدي.. رجل المحراب والبندقية يوسف السُرَكّجي
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ...
أسعد الله أوقاتك بكل الخير والمحبة يا والدي، كيف أحوالك؟ وما هي أخبارك؟ هل فرغت من الحور العين؟؟ أم ما زلت مع أول حورية؟؟ -على الهامش أتمنى أن لا تقرأ أمي هذا المقطع من الرسالة فتغار منهن، رغم أنها سيدتهن في الجنة وهن وصيفاتها إن شاء الله-.
-1-
اااه يا والدي، من أين أبدأ لك رسالتي؟ وعن ماذا أخبرك؟ كثيرة هي المشاعر والخواطر والأحداث التي تجول بخاطري وأود مشاركتك إياها، ولكني بالتأكيد سأبدأ من ذلك اليوم الأغبر، يوم استشهادك ورحيلك عنا، فما أصعبه من يوم!! كلما جال في خيالي، وقفت مشدوها لعظمة الخالق، كيف يُنزل الابتلاء ويُنزل معه الصبر.
لكني إن نسيت، فلن أنسى دموع أمي وصرختها الأولى عند سماع الخبر، ولن أنسى كذلك دموعا ذرفْتُها عليك وأنا أحتضن صورتك، من المؤكد أنني لن أنسى كل كبيرة وصغيرة في ذلك اليوم أبدا ما حييت، حتى أنني ما زلت أذكر كيف حاولتُ تكذيب نفسي وعدم تصديق خبر استشهادك، إلى أن أخرجوك من ثلاجة الموتى، وحضنتك وقبلت جبينك.
وعلى الرغم من ذلك التزمنا وصيتك وصبرنا وحمدنا الله عز وجل، حتى أنني يا والدي رفضت تعزية الناس لي، وأصررت على التهنئة بالشهادة، وليس أدلّ على ذلك أننا في يوم وداعك ومواراتك الثرى لبسنا أجمل الثياب وتعطرنا، وخرجنا لنشارك في عرس فلسطيني آخر.
-2-
وبفضل استشهادك يا والدي، تواصل الكثيرون معنا، واستطعنا أن نسمع أصوات أشخاص أحببناهم عن بعد، وها هم بتواصلهم يزداد حبنا لهم، فكيف لي أن أنسى صوت الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي رحمهم الله، وخالد مشعل، وغيرهم الكثير.
كما أنني بفضل استشهادك عرفت مدى الحب المكنون لك في قلوب مئات ممن التقيتهم، كلهم يبكونك، ويتذكرون برؤيتنا أياما قضوها معك، منهم من جمعتك الدنيا بهم في المعتقلات، أو في الإبعاد، أو على مقاعد الدراسة أو في محطات الحياة المختلفة.
وبفضل استشهادك أيضا عرف القاصي والداني مدى تواطؤ الأجهزة الأمنية التابعة "للسلطة الفلسطينية" في عملية اغتيالك، وهذا ما كشفته تصريحات القيادي حسام خضر، حين وجه أصابع الاتهام لأجهزة السلطة الأمنية، وذلك بسبب انسحاب قوات الأمن الوطني من مواقعهم، وفقا لتنسيق إسرائيلي أمني مسبق مع قيادات الأمن الوطني في نابلس.
وما زالت عملية اغتيالك تصنف يا والدي ضمن أغمض عمليات الاغتيال بحق القيادات الفلسطينية في انتفاضة الأقصى.
وبرحيلك عنا عرفنا مكانتك العسكرية، وعرفنا معها تواضعك الشديد وحرصك على عدم معرفة حتى أقرب المقربين لك بأي تفاصيل عن عملك الجهادي العظيم،، ففي صبيحة اليوم التالي لاغتيالك وزعوا "بوسترات" لك زينتها صورتك وأنت تحمل رشاش "الميج 250" تلك الصورة التي لم ينسها أهالي الضفة الغربية، وما زالت حاضرة في أذهانهم إلى يومنا هذا، وتحت الصورة كتبوا "القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام في الضفة الغربية".
ليتني كنت فطنا وقتها لأعرف من زلات لسانك وأنت تمازح جدتك السبعينية في عمرها، وهي مقدسية الهوى والإقامة، قائلا لها "شو رأيك أنزلك تعملي عملية؟؟؟" ويومها ردت عليك بلهجة الختايرة المحببة، "يييي يا ستي، بدك إياني أروح شقف؟؟!!" كناية عن تناثر جسدها في العملية.
-3-
نعم رحلت عنا جسدا ولكن روحك الطاهرة ما زالت تسري في جنبات البيت، نشعر بها صباح مساء، نذكرك في كل شيء، فأنت معنا حاضرا في كل تفاصيل حياتنا، وكذا نابلس تذكرك يا والدي، تذكرك مساجدها خطيبا مفوها، ومربيا مرشدا، كما تذكرك مستشفياتها وأنت تعود مرضاها وتقضي حوائجهم، تذكرك قراها والمخيمات، لم ولن ينساك أحد، ستبقى حاضرا في قلوب الكثيرين ممن عرفوك وعايشوك، وكذا من أحبوك ولم يروك، لن ينساك أهل عصيرة القبلية شيخا ومستشارا لشؤونهم، ولن تنساك كذلك جبال عصيرة الشمالية، أنت ورفيق دربك محمود أبو هنود، حتى أن والدة محمود جاءت يوم دفنك، وبقيت جالسة عند قبرك بعد ذهاب الناس، تدعو لك بالرحمة والمغفرة، لن تنساك لا هي ولا كل أمهات وزوجات الشهداء والأسرى.
حتى طيور فلسطين وبلابلها ما نسيتك يوما، فما زالت تقف كل صباح عند قبرك تتلو لأجلك موشحات العز والفخار، ولن تنساك محاريب المساجد وبنادق الحرية يا رجل المحراب والبندقية، وما أروعها من توليفة مزجتَ بها دين الله والدعوة له، بعشق الجهاد والاستشهاد، فهذا هو النموذج الحق الذي نريده في شيوخ أمتنا.
-4-
صحيح أنك يا والدي لم تترك لنا مالاً، ولكنك تركت لنا ما هو أثمن من المال وأنفس من الجواهر بكثير، تركت لنا سيرة عطرة، وحسن خلق، هي أجمل ميراث لنا، فكلما التقيت بأحد ممن عرفك، لا أسمع إلا مديحا وشكرا لك على كل حسنة صغيرة أو كبيرة كنت قد أديتها له، أو موقف طريف جمعك به، وما أكثر مواقفك الطريفة التي ما يفتأ يتذكرك بها الجميع!!، وإن نسوا فلن ينسوا طرائف أفعالك في مرج الزهور، ولن ينسوا بحثهم عن حذاء على مقاس رجلك، ولن ينسى الشيخ حسن يوسف مصارعتك له.
ماذا وماذا سيتذكرون؟ كل من عرفك، ما زال الكثير منهم يذكرك كأحسن مرب وداعية، وآخرون يتذكرونك في مجال العمل النقابي بشخصيتك الإدارية الفذة، وأناس يتذكرونك في حقل العمل السياسي قائدا رائعا من الطراز الأول وفي الوقت ذاته جنديا مطيعا منضبطا، فأنت على حد وصفهم مميز في كل شيء، في قامتك وطولك، في هدوئك وسكونك، في ضحكتك وبسمتك، حتى في مجال ما يوصف بأنه من أعمالالنساء كانت لك بصمتك المذهلة، فلن ينسى إخوانك ممن جمعتهم بك شتى الدروب، أطباق الطعام الشهية واللذيذة التي كنت تعدّها لهم، فكنت طباخا ماهرا،،، كنت أنيقا في كل شيء، ولك سمتك المميز.
أتعرف يا والدي؟ أغبطهم جميعا، فهم عرفوك وعايشوك، أما أنا فلا...، فلم أرتوِ بَعدُ من فيض علمك وأستاذيتك، رحلت ولما أشبع بعد من حنوّك وعطفك، ما زلت فقيرا لكل شيء فيك، ما زلت أبحث عنك في كل وجه عايشك، ومع كل شخص أحبك، أريد المزيد منك، أريدك يا أبتي...، لكنه يكفيني معرفتك في دموع الآلاف ممن بكوك يوم شهادتك، وما زال البعض كلما لقيتهم تفيض عيونهم بالدمع شوقا لك، ولشخصك الكريم، وما زال الناس يستذكرونك وهم يرددون كلمات تلك الأنشودة الرائعة:
"الروح لا تنسى وهل تنسى الشهيد؟؟ فالقلب بالذكرى العزيزة يوم عيد،
ذاك الذي روى ثراه دمٌ مجيد، الشيخ يوسف وارتقى أسد شهيد
شيخي أبا طارق أيا سيف الوليد، لقنت جيش يهود نارا وحديد
شوقا إليك تحية المجد التليد، فإلى لقاكَ بجنةٍ يوم الوعيد"..
أما أنا وإخواني يا أبي الحبيب، فسنذكرك دائما ما حيينا، بتميزك الواضح في اختيارك أُمّاً رائعة لنا من بين نساء فلسطين، صابرة محتسبة، وقفت في أشد الظروف وأحلكها، كسنديانة فلسطينية أصيلة، لا تهمها الرياح العاتية، تجمع أغصانها على نفسها لكي تحمي أعشاش الطيور بداخلها، فنم قرير العين يا أبي، فما زالت أمي وفية لك، وعلى العهد ماضية إن شاء الله.
-5-
لن ينساك أحد يا أبي، حتى أعداؤك من الصهاينة الحاقدين، لم ينسَوْك أبدا، فكنت الأشد إغاظة لهم، وما يرويه إخوانك الأسرى عن جولات التحقيق والسؤال عنك، ووصف جنرالات التحقيق لك "بماسح الأدمغة" لهو خير شاهد على ذلك، حتى أنهم تفاخروا بمقتلك أنت وإخوانك الشهداء نسيم أبو الروس وجاسر سمارو وكريم مفارجة، وكتبت صحفهم يومها نقلا عن القيادة العسكرية، أنهم قضوا على "هيئة أركان حماس".
حق لهم أن يتفاخروا، فالحق يقال أن صيدهم كان ثمينا للغاية "السُرَكّجي القائد السري لكتائب القسام في الضفة، ومهندسا التصنيع نسيم وجاسر، نسيم الذي قالت عنه المخابرات أنه فاق يحيى عياش في قدرة تصنيع المتفجرات، وأخيرا كريم أول صانع للعبوات الموقوتة في انتفاضة الأقصى".
ولكن هيهات لحماس أن تنسى الثأر لأصغر جندي فيها، فكيف لها أن تنسى الثأر وأنت الرجل الذي غير مجرى الانتفاضة، فتلاميذك يا والدي كانوا وما زالوا على العهد، فقد برهن على ذلك الإستشهادي زياد الخليلي حينما اقتحم مستوطنة الحمراء في منطقة الغور، ليسجل بذلك أول اقتحام لمستوطنة صهيونية في الضفة الغربية ضمن أحداث انتفاضة الأقصى، فكان الرد على اغتيالك موجعاً لهم.
-6-
وتمر الأيام يا والدي ويصدق حدسك، فلقد كان بيتنا أول البيوت استهدافا في اجتياح نابلس عام 2002م، دمروا البيت وعاثوا فيه خرابا، أثبتوا حقدَهم وصهيونيتهم في كل شبر من البيت، حتى صورتك لم تسلم منهم، فقطعوها إربا إربا.
ولم تسلم عائلتنا منهم، فمداهمات البيت بعد استشهادك تواصلت، وما زالوا يبثون حقدهم كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فكان آخرها يوم أن اختطفوا فرحة العائلة بتخرج أخي معاذ ليعتقلوه ليلة حفلة تخرجه.
-7-
وها هي الأيام تمضي بنا سنة تلو سنة، وعاما إثر آخر، فهذه أمي قد أكل المرض من جسدها وقوتها، وأما نحن "فالعيال كبرت يا بابا"، فقد تخرجنا من الجامعات، وإخوتي معاذ وشهد وصفاء تفوقوا في تحصيلهم الأكاديمي، وبدأنا نشق طريقنا ونكابد مصاعب الحياة.
ودعني هنا أذكر لك بعضا منها؛ فمعاذ مثلا يا والدي اعتقلته أجهزة السلطة، ومر على نفس الزنزانة التي كنت فيها في سجن الجنيد، وها هي المأساة تعيد ذاتها، ويشرب معاذ من نفس فنجان القهوة الذي ظللت تشرب منه أربع سنوات، يا لهذا الفنجان يا أبي، أما له من قرار!!
أما عني يا أبي فإنني ما زلت أرسل لك سلاماتي مع كل قبلة أطبعها على جبين كل شهيد أحظى بشرف وداعه، وحديثا ذقت مرارة الغربة، وعرفت طعمها، وأصعب ما فيها يا أبي أني بعيد عن قبرك، فلا أستطيع الوصول إليه، ولكن ما يسرّي عن نفسي، أنني أحاول البحث عنك هنا في عمان، في ذكرياتك مع أساتذتك الدكتور أحمد نوفل، والدكتور صلاح الخالدي، وذكريات الماضي الجميل، حتى أنني زرت كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، أشم فيها عبق الماضي، يوم كان الجهاد حديث محاضرات أستاذك الدكتور عبد الله عزام رحمه الله.
وفي مسجد الجامعة يا أبي، هناك شيخ يشبهك كثيرا في طولك وملامحك، أحب النظر إليه والتمعن فيه، أراك في كل تقاسيموجهه.
-8-
ولعل من أهم الأمور التي جرت بعد استشهادك يا والدي على صعيد نابلس وفلسطين، هي فوز حركة حماس في انتخابات البلدية والتشريعي، أخيرا ها هي مدينة نابلس التي عملتَ لأجلها طويلا، تختار التغيير والإصلاح، وبأغلبية ساحقة، وكذا بقية المدن الفلسطينية، إذاً فها هي البذرة التي تعهدتم سقايتها وأنتم شباب، ورويتموها بدمائكم الزكية الطاهرة أنت والثلة التي اصطفاها الله عنده، قد آتت أُكلَها والحمد لله.
ويحضرني هنا يا والدي كلمات الشهيد المفكر سيد قطب رحمه الله حين قال: "إن الدعوات تحسب دائماً في حسابها أن الجيل الأول الذين يبلغون هؤلاء، يكبّرون عليهم أربعاً في عداد الشهداء، إن الجيل الأول كله إنما يذهب وقوداً للتبليغ، وزاداً لإيصال الكلمات، التي لا تحيا إلا بالقلوب وبالدماء، إن كلماتنا؛ ستبقى ميتة أعراساً من الشموع، لا حراك فيها، جامدة، حتى إذا متنا من أجلها، انتفضت حية، وعاشت مع الأحياء، كل كلمة عاشت كانت قد اقتاتت قلب إنسان حي، فعاشت بين الأحياء، والأحياء لا يتبنون الأموات".
وها هو المد الإسلامي يزداد انتشارا وحضورا بفضل الله، فمن تونس الخضراء انطلق القطار، مرورا بليبيا ومصر الحبيبة، وما زال القطار يسير يبحث عن محطة أخرى يتزود بها لرحلة جديدة بإذن الله.
-9-
بقي لي أن أخبرك عن أمر سيفرحك ويدخل البهجة والسرور على نفسك، أتذكر خلية "شهداء من أجل الأسرى"؟؟، تلك التي جُلّ أعضائها شهداء، والبقية القليلة في سجون الاحتلال، أكيد تذكر...
ها هو حلمكم تحقق وتمت صفقة أسرى مشرفة، خرج بها مئات الأسرى من محكومي المؤبدات، خرج يحيى السنوار، وروحي مشتهى، وزاهر جبارين، وخرجت أحلام التميمي يا أبتي، أتذكر أحلام؟؟ تلك التي أوصلت الإستشهادي عز الدين المصري، يوم أن ثأر لاغتيال إخوانك صلاح الدين دروزة والجمالين منصور وسليم، لقد خرجت يا أبي بعد أن توعدها الصهاينة اللئام بالموت في سجونهم، فنم قرير العين يا أبي أنت وخليل الشريف ومحمود أبو هنود، وشهداء عصيرة الشمالية، وغيرهم الكثير ممن سجلوا بصمة واضحة المعالم في خلية شهداء من أجل الأسرى.
ختاما أقول؛ ليت الحياة يا أبتي حلم جميل، يُجمع فيه شمل أحبتنا، ولكنها إرادة الله فوق كل شيء، والله يفعل ما يشاء، ويحضرني هنا قول الشاعر الذي كنتَ تردد كلماته دوما:
وإني لأهوى النَّوْمَ في غَيْرِ حِينِهِ لَعَلَّ لِقَاءً في المَنَامِ يَكُونُ
تُحَدِّثُني الأحلامُ أنِّي أراكم فيا لَيْتَ أحْلاَمَ المَنَامِ يَقِينُ
وقبل الرحيل، نوصيك بالسلام على الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام، ونوصيك بالسلام على جميع صحبك الأخيار،
سلام عليك، كلما هبت نسمة شوق للأقصى الحزين،
سلام عليك يا والدي، طبت في الأولين والآخرين،
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
ابنك المشتاق لحضنك الدافئ
طارق يوسف "أبو عبادة"
في الذكرى السنوية العاشرة لاستشهادك
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع