عند تحليل السلوك الإسرائيلي الرسمي والإعلامي تجاه قضية الجندي شاليط سنجد أن الماكنة الإعلامية الإسرائيلية حرصت على توظيف قضية شاليط لصالحها منذ بدايتها وحتى نهايتها فعند وقوعه…
عند تحليل السلوك الإسرائيلي الرسمي والإعلامي تجاه قضية الجندي شاليط، سنجد أن الماكنة الإعلامية الإسرائيلية حرصت على توظيف قضية شاليط لصالحها منذ بدايتها وحتى نهايتها ، فعند وقوعه في الأسر رسمت له صورة خارجية مزيفة، فتحوّل بفعل إعلامها من جندي في مهمة حربية يقصف المدنيين في غزة - وربما يكون قد قتل بالفعل أطفالا ونساء - إلى الجندي المسكين ضحية "الإرهاب" الفلسطيني، ثم حولت أنظار العالم كله إلى منـزل أسرته، الذي صار محجّا للمتضامنين مع دولة (إسرائيل)، ورسمت له صورة الابن الذي يحنُّ للرجوع إلى حضن أمه، وعند عودته سوّقت له صورة مُغايرة تستهدف هذه المرة الجمهور الإسرائيلي بجيشه ومواطنيه: صورة البطل المحارب العائد من الأسر بزيه العسكري الأنيق، فما إن تسلَّمه قادة الجيش حتى أعادوه إلى حالته الأولى، وأدخلوه إلى دبابته لاستعادة صورة الجندي الإسرائيلي الذي لا يُقهر.
وعلى قدر الأهمية التي أولتها (إسرائيل) لقضية الأسرى الفلسطينيين، تبنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة متشددة جدا إزاء مساومات "تبادل الأسرى" و"تحريرهم"، وقد درجت تلك الأخيرة على اعتبار الأسرى الفلسطينيين "مخربين " أو "إرهابيين" وليسوا أسرى حرب، ولذلك وضعت معايير "تابوية" تتعلق بشروط إطلاق سراح معتقلين فلسطينيين، وتسود انطباعات إسرائيلية بأنه ما هكذا تدار المفاوضات حول هذا الصفقات، لأن ذلك يصب في خدمة حركة حماس، وهم يعتبرون – القادة الإسرائيليون- أن صفقة التبادل هي خيار أخير، وليس الأول، وتوجد عدة طرق أخرى تجب تجريبها، لأنها صفقة تحتمل الكثير من المخاطر، أهمها تحرير آلاف الأسرى، مما يشكل كابوساً مخيفاً بنظر المنظرين الاستراتيجيين الإسرائيليين.
وقد أعادت صفقة الأسرى جملة قضايا حساسة إلى دائرة الضوء في (إسرائيل)، كان أهمها اللغط الذي دار في (إسرائيل) حول كيفية تصرف جنود الجيش الإسرائيلي في حال تعرض أحد الجنود لعملية أسر من قبل فصائل المقاومة، والسؤال الذي أثاره البعض في (إسرائيل) حول أيهما الأفضل بالنسبة لـ(إسرائيل): جندي أسير أم جندي قتيل.
ويبدو، بحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، أنه بعد النقاش المغلق الذي أجراه رئيس الأركان بيني غانتس، والذي عقده قبل بضعة أسابيع حول هذه القضية، لا يزال هناك عدم وضوح بين القادة الكبار في الجيش الإسرائيلي حول السؤال الآتي: هل يجب منع وقوع جندي إسرائيلي في الأسر بكل ثمن، أم أن قتل الجندي مع خاطفيه هو خط أحمر محظور تخطيه؟
ونظراً لحساسية الموضوع، تشير صحيفة "معاريف" إلى أنه في الشهر الماضي أصبح التعاطي مع أسر جندي مسألة تثير اهتماماً شديداً في الجيش الإسرائيلي.
وربما هذا أيضاً ما ترجمته صحيفة "هآرتس" ، والذي جاء فيها:" إن الجيش الإسرائيلي أصدر أوامر واضحة للجنود بألا يسمحوا لأنفسهم بأن يتعرضوا للأسر على يد جماعات المقاومة الفلسطينية تحت أي ظرف من الظروف. وأشارت الصحيفة في تقرير نشرته الثلاثاء 18 أكتوبر إلى أن قائد كتيبة المشاة في الجيش الإسرائيلي قال لجنوده: تحت أي ظرف من الظروف، يجب ألا تسمحوا بأن يكون هناك جلعاد شاليط جديدا، يجب أن تمنعوا حدوث ذلك مهما كان الثمن، يجب أن تطلقوا النار على الخاطفين حتى ولو أدى ذلك إلى مقتل جنود إسرائيليين تم أسرهم".
إن معظم - إن لم تكن كل - الجهود التي بذلتها الحكومات الإسرائيلية على مدار خمس سنوات من أجل تحرير شاليط لم تكن تعبيرا عن الروح الإنسانية ، أو تعاطفا مجانيا مع عائلته ، لكنها كانت أيضًا جزءا من شعور المجتمع الإسرائيلي بالمهانة جراء نجاح حماس في الاحتفاظ به كل هذا الوقت رغم الملاحقة اليومية الحثيثة. قادة (إسرائيل) وصناع قرارها يدافعون عن صورة دولتهم وعن جنودهم وعن وجودهم في آن، فهذا الذي يجري يُذكرهم بأنهم لم يعودوا قادرين على حماية أبنائهم، هم الذين طاردوا "أعداءهم" في طول الأرض وعرضها، كيف لا وهم الذين ضغطوا على مصر مؤخراً من أجل الكشف عن وجود خمسة ضباط نازيين قيل إنهم يعيشون على أرضها!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع