جاءت تصريحات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بعد عملية معبر رفح البطولية مخيبة للآمال ومفاجئة للشعب الفلسطيني الذي قدم آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من المعتقلين والجرحى والمعاقين…
جاءت تصريحات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بعد عملية معبر رفح البطولية مخيبة للآمال، ومفاجئة للشعب الفلسطيني الذي قدَّم آلاف الشهداء، وعشرات الآلاف من المعتقلين والجرحى والمعاقين، إنه يريد إنهاء عسكرة الانتفاضة، ويؤكد على ذلك بقوله قلتها في السابق وأكررها مرَّة أخرى، وكأنه واثق بما يقول!! ومصمم على المضي في مخالفة الاجماع الوطني، ومواجهة الإرادة الشعبية، متناسياً تضحيات شعبنا الجسام في مواجهة الاحتلال.. لقد أمضى عشر سنين من الضياع فلم يحصد إلا الشوك ولم يجن إلا اليأس.. وها هي المفاوضات ستعود من جديد بعد اغتيال أبي عمار لتبدأ مرحلة جديدة باستحقاق جديد لرئاسة جديدة !! " أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا " " أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ "
لقد كان رد شارون في مؤتمر هرتسليا على تصريحات أبي مازن موجعاً لا قدس، لا عودة للاجئين، لا رجوع إلى حدود 67، وأما رد وزير الخارجية الصهيوني فقد كان أشد خطورة حين قال حق العودة أمر في الخيال وعلى الفلسطينيين ألا يفكروا في ذلك مطلقاً وعليهم أن يبحثوا عن مكان للتوطين.
هذه المقدمة سقناها لنؤكد حقيقة يعرفها القاصي والداني أن اليهود لا يريدون سلاماً إنما يريدون إبادة الشعب الفلسطيني والقضاء على روح المقاومة في فلسطين يريدون سلاماً يحقق الأمن لهم ويحمي مستوطناتهم من ضربات المجاهدين يريدون سلاماً يحارب الإرهاب على يد حكومة فلسطينية معتدلة كما صرح شارون لذا فإنه لا حل مع اليهود إلا باستمرار مسيرة الجهاد والمقاومة، وقد ثبت أن المقاومة رغم قلة الإمكانات استطاعت أن تقف على رجليها وأن تصد العدوان وأن تتقدم بخطى ثابتة أدت إلى تراجع وانحسار المشروع الصهيوني أمام عظمة المشروع الجهادي في فلسطين وذلك لأسباب كثيرة نذكر منها
1- بعد أن تولى شارون رئاسة الوزراء أعلن أنه سيقضي على الانتفاضة بعد مائة يوم .. فمضت المائة بعد المائة ولم يستطع أن يقضي عليها بل قضت على كل خططه وأوهامه.
2- محاولاته البائسة في القضاء على صواريخ القسام والتي كان آخرها اجتياح الشمال فلم يفلح أبداً بل كان إطلاق الصواريخ أثناء الاجتياح ومن بين دباباته ومن تحت طائراته، لقد حاول شارون أن يهدأ من روع المستوطنين في سيدروت بكل الوسائل بالإغراء المالي، وبالإنذار المبكر ففشل فشلاً ذريعاً وأخيراً وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) قررت تخصيص 46 مليون دولار من أجل تطوير نظام إسقاط صواريخ القسام بعمل أشعة الليزر فلم تفلح أيضاً.
3- إعلان شارون الانسحاب من غزة من جانب واحد وتفكيك المستوطنات والذي تبنى من قبل مشروع الاستيطان، يظهر عجز شارون في القضاء على المقاومة ووقوعه في أزمة أمنية وعسكرية والذي يعد تراجعاً واضحاً.
4- بناء الجدار الفاصل وإن كان يضر بالمصلحة الفلسطينية ويسيطر على الكثير من الأراضي إلا أنه في نفس الوقت يعد تراجعاً لدى الكيان الصهيوني فقد بنى هذا الجدار لحماية نفسه من ضربات المقاومة وهذا يدل على مدى الخوف والرعب الذي وقع في روعه " لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ " الحشر آية14.
5- المقاومة تملك بفضل الله وسائل قتالية أحدثت توازن الرعب في ظل غياب توازن القوى، ومن أهم تلك الوسائل الاستشهاديون، صواريخ القسام، وحرب الأنفاق المفخخة التي أعترف العدو الصهيوني ببراعة المنقذين وعجزه عن اكتشافهم رغم ما يملك من وسائل التكنولوجيا الحديثة، فقد وصفت الأوساط الصهيونية عملية معبر رفح بأنها تحد استراتيجي من نوع جديد وقالت هآرتس عن العملية بأنها إنجاز عسكري كبير لحركة حماس وأضافت إن نجاح حماس ليس صدفة فعملية أمس هي نتيجة لإعداد دقيق وطويل هجوم متعدد المراحل ، أما يدعوت أحرنوت فقد قالت على لسان مراسلها العسكري اليكس فيثمان عملية النفق في معبر رفح سلاحاً يخرق التوازن " قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ " النحل 26
6- أربع سنوات من عمر انتفاضة الأقصى المباركة واليهود لا ينفكون عن الكيد والمكر والقتل والاجتياح والهدم والتجويع من أجل إنهاء المقاومة إلا أنها لا زالت مستمرة وبصورة أقوى وأعنف ، فهدف مواصلة استمرارية المقاومة لازال حياً في نفوس الأمة التي تقدم الشهيد تلو الشهيد وتحتسب الأمر عند الله وفي المقابل فإن العدو الصهيوني قد أصاب جنده الخوف والرعب مما أدى إلى الكثير منهم أن يذهب إلى المصحات النفسية ، ومنهم من ينتحر ، ومنهم من يهرب من التجنيد .
7- زيادة القتلى في صفوف اليهود ، ففي الانتفاضة الأولى كان يقتل من الفلسطينيين عشرة رجال في مقابل صهيوني واحد ، أما في انتفاضة الأقصى فقد يقتل ثلاثة فلسطينيين مقابل صهيوني واحد ، وربما يكون العدد متساوياً في بعض الأحيان، فبعد اجتياح خان يونس في 19 / 12 / 2004 م ، كان الرد إصابة صهيوني واحد كل ساعة وذلك من كثرة القصف القسامي المكثف لمغتصبات غزة .
8- استشهاد القادة العظام أمثال إمام الأمة الشيخ أحمد ياسين الذي كان استشهاده حياة جديدة للأمة .. وبعثاً جديداً في استنهاض روح الجهاد والمقاومة في نفوس الملايين ، ودليل ذلك أن الكرة الأرضية اهتزت لاستشهاده فتحركت المسيرات وأقيمت أعراس الشهادة في جميع أنحاء العالم حتى في الصين وأمريكا وأوروبا .. دماء الشهداء الأبرار أدي إلى التفاف فصائل المقاومة حول خيار الجهاد والمقاومة ، والتى أرسى قواعدها الشيخ أحمد ياسين قبل استشهاده بل والتفاف كل المخلصين من أبناء شعوب الأمة العربية والإسلامية حول خيار المقاومة ، وهذا دليل انتصار مشروع المقاومة مقابل انحسار المشروع الصهيوني بانكشاف وجهه القبيح أمام العالم كله .
9- لا ننسى في زحمة ذكر هذه الأسباب إلا أن نؤكد أن السبب الرئيس في انتصار المقاومة وتقدمها هو بفضل الله أولاً ثم بفضل المجاهدين الصادقين الذين وهبوا أنفسهم لله لنصرة دينهم ووطنهم فلبوا النداء وتنافسوا على الشهادة في ساحات الوغى ، فكانت معية الله مع المؤمنين " إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ" الحج28 " وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ" الروم آية 27 " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " العنكبوت 69هذا التأييد الرباني للمجاهدين قد أمدهم بالقوة والعزيمة فدخلوا المعركة بروح عالية ونفس راضية فكان النصر والتأييد ، وفي المقابل كانت الدائرة على الجيش الذي لا يقهر الجيش الصهيوني الذي يطارده شبح الخوف والرعب حتى داخل مستوطناته ودباباته ! ! " لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ " الحشر آية13 .
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع