تتعدد سبل المقاومة لتشمل كل مناحي الحياة ويشارك فيها المجتمع على اختلاف فئاته وتخصصاته وكل على ثغرة يذود عنها ويحميها ويقوم بواجبه ويبرز الكفاح المسلح من بين هذه السبل باعتباره…
تتعدد سبل المقاومة لتشمل كل مناحي الحياة، ويشارك فيها المجتمع على اختلاف فئاته وتخصصاته، وكلٌ على ثغرة يذود عنها ويحميها، ويقوم بواجبه. ويبرز الكفاح المسلح من بين هذه السبل باعتباره أقصر الطرق نحو التحرير. وعندما ينخرط الشعب في المقاومة، يحقق فوائد وفضائل عِدّة، تتضاءل بجوارها التضحيات، ومن ذلك:
30- المقاومة تستنزف العدو عسكرياً
وضعت حركة التحرر في الصين الشعبية إحدى أهم نظريات حرب التحرير الشعبية التي تدعى: نظرية البعوضة والفيل. حيث تستطيع بعوضة أن تواظب على لسع الفيل مرات كثيرة دون أن يتمكن الفيل على ضخامته وقوته من التغلب عليها، مما يؤدي به إلى إنهاك قواه في عملية متشابكة من محاولاته للقضاء على مصدر اللسع دون جدوى. وفي النهاية يسقط الفيل وقد خارت قواه. إن هذه النظرية تلخص أسلوب عمل المقاومة في إرهاق العدو واستنزاف قواه.
فبإمكانيات بسيطة للغاية تتمكن المقاومة من صد هجمات العدو، ومهاجمته في مواضع أخرى وفق ظروفها التكتيكية ملحقة به خسائر فادحة. تعتمد المقاومة على أسلوب حرب العصابات التي تقوم فيها بضعة أفراد في مجموعات صغيرة بأسلحة خفيفة بمناوشة العدو ومهاجمته على قاعدة اضرب واهرب. والعدو الذي تدرب جيشه على أساليب الحروب الحديثة التي تستخدم الأسلحة الثقيلة، ويعتمد على أذرع عسكرية ضخمة تتألف من ألوية وكتائب وسرايا، برية وجوية وبحرية، وتستخدم نيران كثيفة للحفاظ على أفرادها وتحقيق نتائج سريعة يضطر للتعامل مع حرب العصابات دون تكافؤ، مما يفقده مزاياه، وترجح الكفة لصالح قوى حركات التحرر خفيفة التسليح. وقد أثبتت تجارب حروب التحرير الشعبية عبر العالم قدرتها على تحقيق الانتصارات والتغلب على قوى عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا واليابان.
وقد أثبتت المقاومة الفلسطينية قدرتها على إلحاق الأذى بالعدو اليهودي في فلسطين وإيلامه وتكبيده خسائر بشرية ومادية كبيرة كما في العمل الفدائي في أوائل الخمسينيات، ومعركة الكرامة، وعمليات المد الثوري بعدها، وعمليات قصف الصواريخ من جنوب لبنان على شمال كيان العدو، والعديد من العمليات الفدائية النوعية في سنوات السبعينيات، ومقاومة الاحتلال الصهيوني في جنوب لبنان حتى دحره في عام 2000م، والانتفاضة الفلسطينية الأولى، وانتفاضة الأقصى، والعمليات الاستشهادية، وعمليات إطلاق الصواريخ محلية الصنع على المستوطنات اليهودية في محيط غزة، والعمليات الفدائية التي أجبرت الاحتلال على تفكيك مستوطناته في داخل قطاع غزة في عام 2005م.
ونستدل على استنزاف المقاومة لقدرات العدو العسكرية من خلال الملاحظات التالية:
1- بقنبلة موقوتة يتمكن مقاوم فلسطيني من تفجير تجمع للاحتلال سواء في سوق أو سينما أو محطة باصات وغير ذلك، بما يكبد الاحتلال خسائر بشرية ومادية كبيرة مقابل تكاليف واهية.
2- فدائي واحد يتسلل إلى مستوطنة بعد أن يقطع الأسلاك الشائكة، يتمكن من قتل عدد من المستوطنين قبل أن يستشهد.
3- تمكن مقاومون من حفر نفق يصلهم إلى أسفل ثكنة عسكرية في وسط قطاع غزة، وتمكنوا من تفجير الثكنة بالكامل.
4- بمضاد دروع محلي الصنع يسمى "الياسين" أو "شواظ"، أمكن تدمير عدد من دبابات الميركافاه التي يتباهى بها الاحتلال، والذي تمكن من خلال زعمه بأنها لا يمكن تدميرها من عقد صفقات لبيع العشرات منها لدول غربية وشرقية، ويبلغ ثمن الواحدة منها حوالي عشرين مليون دولار. لم يخسر الاحتلال هذه الدبابات التي تفجرت فحسب، بل وخسر كل صفقات بيعها. كما خسر تكاليف إضافية لتطوير الميركافاه لتجاوز عيوبها السابقة. وهكذا تجاوزت خسارته مئات الملايين من الدولارات، بينما لم تخسر المقاومة سوى مئات الدولارات فقط.
5- والأهم من الخسارة المادية التي لحقت بالميركافاه، أن جندي الاحتلال الذي كان يشعر بالأمان وهو داخل تلك الدبابة، أصبح قلقاً من إمكانية تفجيرها، ولم يعد واثقاً بقدرة دولته على حمايته.
6- يتمكن بضعة مقاومين من إحراق آلاف الدونمات من حقول القمح أو القطن أو غيرها من محاصيل العدو وغاباته بما يكبده خسائر فادحة.
7- أصبحت صواريخ المقاومة محلية الصنع أكثر قدرة على إصابة أهدافها، الأمر الذي يلحق خسائر مادية وبشرية ومعنوية بالعدو ومستوطنيه.
8- في فترات المعارك التي يتم استدراج العدو إليها في مناطق محددة، تستطيع المقاومة زرع ألغام داخل المباني التي يُتوقع دخول العدو إليها للتحصُّن بها، الأمر الذي يكبده خسائر بشرية كبيرة.
9- استشهادي واحد قادر على إلحاق أكبر أذى ممكن بجنود العدو، عندما يتوجه إلى حافلاتهم أو أسواقهم أو ملاهيهم وغير ذلك.
10- خلية صغيرة مؤلفة من أربعة أو خمسة أفراد تتمكن من سلوك نفق إلى خلف خطوط العدو والاشتباك معه، والهروب عبر النفق. وقد تتمكن من خطف عدد من جنود العدو في طريق عودتها.
11- تستطيع المقاومة تركيز استهدافها على إحدى مستوطنات العدو – عسكرياً، واقتصادياً، وإعلامياً، وسياسياً، وقانونياً - حتى إجبار مستوطنيها على مغادرتها. وقد تتمكن المقاومة من جعل موقع المستوطنة بعد إجلاء المستوطنين عنها قاعدة ارتكازية متقدمة لمهاجمة ما بعدها، وهكذا.
12- مقاوِم ذو خبرة فائقة في تكنولوجيا الاتصالات قادر على ابتكار وسيلة للتحكم في طائرات التجسس الصهيونية وإعادة توجيهها ضد العدو. ولا يقف ضرر هذه العملية على خسارة العدو لإحدى طائراته المميزة، ولكنها قد تدفعه لاستبدال كل منظومة طائرات التجسس لديه أو إدخال تطويرات معقدة عليه، الأمر الذي يكبده خسائر فادحة. فضلاً عن الخسائر المعنوية؛ حيث يُصاب العدو بهزيمة نفسية وقلق وتوتر يفقدان البعض منه القدرة على المُضي في المعركة.
13- تمكنت المقاومة اللبنانية من إفشال منظومة الرادارات التي تستهدف صواريخ المقاومة، والتي استوردتها (إسرائيل) من أمريكا بما يزيد عن مليار دولار، وذلك مقابل إحراق بعض الحطب أو إطارات سيارات تالفة، حيث يعمل دخانها على التشويش على الرادارات.
14- في حرب التحرير الفيتنامية، استعان المقاومون بقطع صغيرة متناثرة من المرايا، نثروها نهاراً ليضللوا قدرة طائرات العدو علن مراقبتهم أثناء اجتيازهم المفازات الواقعة بين الغابات، لأنها تعكس أشعة الشمس في وجه الطيارين.
15- يستطيع مقاوِم خبير في القرصنة الإلكترونية ضرب بعض المواقع الأمنية أو العسكرية للعدو على شبكة الإنترنت، الأمر الذي يلحق بالعدو خسائر كبيرة، لا تتوقف عند إعاقة عمله بشكل يحول جزئياً دون تحقيقه لمخططاته ضد المقاومة. وللحديث بقية.