بسم الله الرحمن الرحيم لعل الواقعية السياسية توجب الإشارة بداية إلى أن المدى الزمني المنظور لا يحمل في طياته و لا في آفاقه حسما للصراع مع العدو الصهيوني جزئيا أو كليا إذ إن موازين…
بسم الله الرحمن الرحيم
لعلّ الواقعية السياسيّة توجِب الإشارة بداية إلى أنّ المدى الزمني المنظور لا يحمِل في طيّاته و لا في آفاقه حسماً للصراع مع العدو الصهيونيّ جزئياً أو كلياً ، إذْ إنّ موازين القوى المحلية و الإقليمية الدولية مختلّة اختلالاً فادحاً لصالح عدّونا ، الذي وصل في صلفه و عدوانه و استكباره و طغيانه إلى الذروة ، و إنّ جميع المشاريع و الخطط التي طرحت في مطلع التسعينات – و لا تزال مستمرة - لحلّ القضية الفلسطينية كانت في جوهرها حلاً للمشكلة "الإسرائيليّة" ، إذ إنّ الكيان الصهيوني أراد أن يحسِم الصراع حسماً سياسياً مستغلاً الحالة المتردّية التي سادت في تلك الفترة و خصوصاً بعد الاجتياح العراقيّ للكويت ، و ما خلّفه ذلك من انقاسامات في الأمّة أفقياً و عامودياً ، و ما ولّدته من مناخات إحباطٍ و يأسٍ في أوساط شعوبها ، فكان مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي بادر شمعون بيريز بطرحه ، و كان يرتكز على إدماج ما يسمّى بـ "إسرائيل" في المنطقة لتُلغي الجامعة العربية ، و تكون "جامعة الشرق الأوسط" بديلاً عنها ، بحيث يضاف إليها تركيا و إيران (بعد تأهيلها بالطبع) ، فضلاً عن الكيان الصهيونيّ .
و نتذكّر جميعاً الهجوم الأمريكيّ السياسيّ في عام 1991 على المنطقة الذي أفرز مؤتمر مدريد ، و شكّل أرضيّةً لمفاوضاتٍ سرّية أنتجت اتفاق (أوسلو) في أيلول 1993 ، حيث كان المطلوب أن يوقّع أصحاب القضيّة حتى يوقّع الآخرون ، فوقّعت الأردن اتفاق (وادي عربة) في تشرين أوّل (أكتوبر) 1994 ، و كان مقدّراً أن توقّع سوريا اتفاقاً مع الكيان الصهيوني ، و لكن المفاوضات فشلت و وصلت إلى طريقٍ مسدود – ولا تزال كذلك حتى الآن - ، و في ظلّ هذه الأجواء السياسية التي سادت ، اندفع الصهاينة إلى منطقتنا في محاولةٍ جادّة لاختراقها سياسياً و إعلامياً و اقتصادياً ، فالمطلوب لهذا الكيان الغريب الذي زُرِع في منطقتنا أن يصبِح جسماً طبيعيّاً نمدّه نحن بأسباب الحياة و القوة و الاستمرار.
هل تحقّق الهدف ؟
على الرغم من الاتفاقات التي تمّ توقيعها مع الكيان الصهيونيّ ، و على الرغم من الاختراقات التي تحقّقت له في منطقتنا ، فإنّه ينبغي أن نسجّل هنا أنّ حالة المقاومة و الممانعة التي نشأت في مواجهة عملية "التطبيع" و منها محاولاته لكسر الحاجز النفسيّ مع شعوب أمّتنا فشلت ، بل إنّ الألفية الجديدة شهدت انطلاقة انتفاضة (الأقصى) ، التي كانت تعبيراً و تجسيداً عمليّاً لفشل مشروع التسوية السياسية و دخوله في نفقٍ مظلم .
و هنا لا بدّ من تحديد الأسباب الجوهرية التي أفشلت هذا المشروع
1.المقاومة الفلسطينية الباسلة حيث أحيت الأمل من جديدٍ و أعادت الاعتبار للشعب الفلسطيني ، و شعوب هذه الأمة ، و رفعت الحالة المعنوية النفسية في أوساطها .
2.نشوء حالة ممانعة سياسية قوية وقفت في مواجهة مشروع التسوية ، الذي كان يحمل في ظاهره "الخلاص" لشعبنا ، و لكنه في باطنه يحمل "العذاب" .
3.اندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول (سبتمبر)2000م ، حيث جسّدت مظلوميّة الشعب الفلسطيني من جهة و بطولاته و تضحياته من ناحية أخرى ، كان لهذه العوامل أثرٌ كبير في امتداد حالة الممانعة إلى المنطقة العربية ، حيث نشأت قوى شعبيّة ترفع شعار مقاومة التطبيع و مقاطعة العدو الصهيوني ، و منها هذا المؤتمر الشعبي الذي نشأ في منطقة الخليج ، و ارتفعت وتيرة هذه الممانعة ، خصوصاً في بدايات انتفاضة الأقصى ، و لكنها شهدت تراجعاً نسبياً بعد ذلك لاعتباراتٍ لا مجال للتفصيل فيها
أهمية المقاطعة
إنّ الحملة الإعلامية التي تشنّها بعض الدوائر المتصهينة في أمّتنا ، أو بعض المهزومين فكرياً و ثقافياً و نفسياً من بني جلدتنا ، لا ينبغي أن تؤثّر على قناعاتنا و إرادتنا في استمرار عمليّة المقاطعة و المقاومة للتطبيع مع هذا العدو الغاشم . فالمقاطعة و الممانعة و المقاومة ، و هي مصطلحات مترادفة تحقّق المعنى الذي نريد ، هي عمليّة بناءٍ و تجذيرٍ لفهمنا و رؤيتنا الاستراتيجية لهذا الصراع ، و إنّ نجاح هذه العملية يشكّل رافعة سياسيّة و معنوية للشعب الفلسطيني في انتفاضته الباسلة ضدّ العدو الصهيوني .
و يمكن الإشارة بهذا الصدد إلى الملاحظات الآتية في أهميّة المقاطعة
1.مقاطعة العدو الصهيوني سياسياً بعدم إقامة علاقات دبلوماسية معه يشكّل حالة عزلٍ و نبذٍ له من ناحية ، و دعمٍ للحقّ الفلسطيني من ناحية أخرى .
2. المقاطعة لا تشجّع الأطراف الصديقة أو المحايدة على إقامة علاقاتٍ مع هذا العدو ، أو بالحدّ الأدنى عدم الاندفاع في العلاقة معه ، في حين أنّ عدم مقاطعتنا نحن أصحاب القضيّة (و أعني الفلسطينيين و العرب و المسلمين) ، تشجّعهم على ذلك ، و توجِد لهم الذرائع و المبرّرات .
3.المقاطعة في الجانب الاقتصادي – و هو أحد الوجوه المهمّة في عمليّة التطبيع - ضروريّة لأنّها تحدّ من إمكانية الانتعاش الاقتصادي لهذا الكيان ، فضلاً عن الحركة التجارية . و لعلّ الأسواق العربيّة – و خصوصاً الخليجيّة - هي أسواقٌ مهمّة و ذات مردودٍ ماليّ كبيرٍ . وعندما نشير إلى الانتعاش ، فإنّ ذلك يعني تخفيف المأزق الاقتصادي على العدو من ناحية ، و دفعه لمواصلة عدوانه على شعبنا الفلسطينيّ من ناحية أخرى .. و هنا لا بدّ من الإشارة إلى توقيع الحكومتين الأردنية و المصريّة على اتفاقية (QIZ) لتبادل التجارة الحرّة مع الكيان الصهيوني . و هذا يشكّل ضربةً معنويّة لشعبنا من ناحية و هو يواجه و يقاوم العدوان عليه ، كما أنّه يفتح أسواقاً لهذا الكيان الغاصب .
4. المقاطعة تُشْعِر الشعب الفلسطيني بمعنى التضامن و التكافل بين أبناء هذه الأمّة ، و ترفع الحالة المعنوية في أوساطه ..
وبعد فإنّ الشعب الفلسطينيّ و على الرغم من شدّة آلامه و جراحه و عذاباته ، فإنّه لا يزال صامداً ثابتاً ، و هو يستذكر دائماً في مواجهته مع العدو الصهوني قول الله تعالى "و لا تهِنوا في ابتغاء القوم إنْ تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون و ترجون من الله ما لايرجون" .
إنّ هذا الشعب يقوم بواجبه في الصمود و المقاومة ، و مستمرٌّ في هذا الواجب ، و لكنّ المطلوب من هذه الأمّة بمستوياتها الرسميّة و الشعبية أنْ تسانده سياسياً و اقتصادياً و إعلامياً و معنوياً . و إذا كانت للأنظمة اعتبارات و حسابات خاصة بها يجعلها لا تقوم بما ينبغي أن تقوم به ، فإنّ القوى الشعبيّة الحيّة مطالبة بالتحرّك و تشكيل حالة ضغطٍ على الأنظمة و الحكومات في مهمّتها الجليلة هذه ، و لا ينبغي أنْ نقلّل من أهمّية الممانعة و المقاطعة التي تبشّر بها ، فالأهداف لا تتحقّق جملةً واحدة ، و التراكم في الإنجاز هو الذي يحقّق المراد .
فالمهمّ أنْ تبقى الرؤية الاستراتيجية لطبيعة الصراع مع العدوّ ماثلةً أمامنا .
مداخلة أُلقيت في المؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني في الخليج (الدوحة - قطر 26/12/2004).
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع