المقاومة تدفع المغتصبين  للجلاء

المقاومة تدفع المغتصبين للجلاء

د. عصام عدوان
2011-11-03

عندما أطلق أول صاروخ فلسطيني محلي الصنع على المستوطنات اليهودية المحيطة بقطاع غزة وسقط في أطراف مزارعهم دون أن يحدث أية أضرار مادية ذات قيمة شعر المستوطنون بقلق شديد فتلك كانت…

عندما أُطلق أول صاروخ فلسطيني محلي الصنع على المستوطنات اليهودية المحيطة بقطاع غزة، وسقط في أطراف مزارعهم دون أن يُحدث أية أضرار مادية ذات قيمة، شعر المستوطنون بقلق شديد؛ فتلك كانت أول مرة في حياتهم يتعرضون لهذا النوع من عمليات المقاومة. المستوطنون اليهود استعدوا أن يقيموا بمناطق خطرة في مواجهة التجمعات السكنية الفلسطينية، كمحيط غزة، ويتحملوا الكثير من المخاطر التي عادة ما يتهرب منها اليهود، فيسكنون في مدن مكتظة باليهود وبعيدة نوعاً ما عن العرب؛ ولذلك وجدنا سلطات الاحتلال تدعم هؤلاء المستوطنين وتقدم لهم امتيازات خاصة. ولأن مهمة المستوطنين اليهود خطرة، حيث عليهم أن يكونوا خط الدفاع الأول عن كيانهم الاحتلالي؛ يتم اختيارهم من بين اليهود الأكثر تشدداً، والأكثر حقداً على العرب، والأكثر همجية.

لم يدرك هؤلاء المستوطنون اليهود المتشددون أبعاد ونتائج هذه الصواريخ البدائية الصنع. لكنهم على أي حال شعروا أن شيئاً جديداً اقتحم حياتهم الهانئة وبدا عليهم التوتر، الذي نقلوه إلى مختار مستوطنتهم، والذي بدوره نقله إلى سلطات الاحتلال. إلا أن إجراءات الاحتلال وجيشه لم توقف هذه الصواريخ. وعلى الرغم من هجمات العدو واجتياحاته المتكررة للمناطق الحدودية من قطاع غزة لردع المقاومة وإبطال مفعول الصواريخ، إلا أنها مُنيت بفشل ذريع، حيث تطورت هذه الصواريخ واتسع مجال استهدافاتها وأصبحت تصيب بيوت المستوطنين، فشعروا أن الهدوء لن يعود حليفهم بعد اليوم. وبدأ بعضهم يعرض بيته ومزرعته للبيع ويخطط للانتقال إلى تل أبيب أو أسدود. لقد باع بعضهم العقارات التي بحوزته بالفعل، وبدأ آخرون يفكرون بهذه الطريقة لكنهم حاولوا الضغط على قياداتهم السياسية والعسكرية لتجد لهم حلاً، وزادت هذه من وتيرة الاجتياحات في قطاع غزة واغتيال قيادات المقاومة، ولكن دون جدوى. فقد تطورت هذه الصواريخ وأصبحت أكثر قدرة تدميرية، وأبعد مدى، وأدق تصويباً، وأصبح أمام المستوطنين اليهود خياران لا ثالث لهما: إما البقاء في مستوطناتهم وتحمُّل ضربات المقاومة، وهذا لم يكن مستساغاً. وإما الجلاء إلى مناطق أبعد تكون بظنهم أكثر أمناً. وهذا ما تهيأت له نفوسهم وشرعوا في تنفيذه.

لقد خشيت قيادة العدو من أن تنجح ضربات المقاومة في دفع المستوطنين اليهود إلى الجلاء كي لا يعزز ذلك المقاومة ويشجعها على تكرار التجربة، وكي لا تتحول تكتيكات المستوطنين بالجلاء إلى استراتيجيات تؤدي إلى تفكك المشروع الصهيوني القائم على الاستيطان. ولذلك قررت شنَّ عدوان واسع على قطاع غزة في 27/12/2008م استمر 22 يوماً لم تتوقف خلاله المقاومة عن إمطار المستوطنات المحيطة بغزة بالصواريخ المتنوعة، بل ولحقت بالمستوطنين في بعض المناطق التي رحلوا إليها كعسقلان وأسدود وغيرها. وأصبح لدى هؤلاء المستوطنين قناعة تامة بأنه لا علاج لهذه الصواريخ وأن عليهم الجلاء المطلق والنهائي عن مستوطناتهم.

إن انتهاء العدوان الصهيوني على غزة في 17/1/2009م دون توقف صواريخ المقاومة عن إصابة أهدافها المشروعة في الأراضي المحتلة حول غزة لم يكن يعني هزيمة العدو فحسب، بل كان سيؤدي إلى إجلاء المستوطنين اليهود من محيط غزة بالكامل، الأمر الذي كان سيشكل انتصاراً بارعاً للمقاومة يفوق في أهميته انتصار المقاومة على المستوطنين داخل قطاع غزة وإجبار كيان العدو على تفكيكها في عام 2005م. إلا أن تراجع معدلات إطلاق صواريخ المقاومة أو توقفها النسبي بعد لجوء العدو إلى وقف عدوانه على غزة من طرف واحد، والتزام المقاومة بهدنة ضمنية مع العدو، حرم المقاومة من قطف ثمار ضرباتها على المستوطنات في محيط غزة المستمرة منذ ثماني سنوات.

إن الدرس الذي يجب على المقاومة الخروج به:

أولاً: إن بمقدور المقاومة – إذا أخلصت وأحسنت التدبير وأبدعت – أن تُجلي العدو عن أجزاء من وطننا المحتل.

ثانياً: إن عمل المقاومة تراكمي، وهو دائماً يسير في الاتجاه الصحيح؛ لأن المقاومة هي دواء الاحتلال. ولا يجب الاستهانة بالنتائج البسيطة التي قد تحصل عليها المقاومة من وراء ضرباتها المتفرقة، فالأثر المتوسط والبعيد أبلغ أثراً، ويُسهم في إضعاف العدو بقدرته على الاستمرار في احتلاله.

ثالثاً: إن النصر صبر ساعة، فلا يجب وقف القتال إذا ما بدأ، إلا بعد إنجاز أهدافه مستفيدين من تراكم أثر ضربات المقاومة.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026