جدول عادي جاءت موافقة إسرائيل أخيرا بالتوقيع على صفقة تبادل الأسرى مع حركة حماس منتصف الشهر الحالي والتي رأى بمقتضاها حتى الآن أسيرا و أسيرة النور وما زال أسيرا آخر ينتظرون رؤية…
جاءت موافقة (إسرائيل) أخيراً بالتوقيع على صفقة تبادل الأسرى مع حركة "حماس" منتصف الشهر الحالي، والتي رأى بمقتضاها حتى الآن 450 أسيراً، و27 أسيرة النور(...)، وما زال 550 أسيرًا آخر ينتظرون رؤية النور بعد شهرين من اليوم الأول استكمالاً لبنود الصفقة(...)، وذلك مقابل إطلاق حركة حماس سراح الجندي (الإسرائيلي) "جلعاد شاليط" الأسير لديها منذ 1831 يوماً، ولقد جاءت هذه الموافقة للتأكيد على اللغة الوحيدة التي تفهمها (إسرائيل) ولا تفهم سواها، وهي لغة القوة فقط، وليست الاستجداء والخنوع.
ولقد تباينت وجهات نظر المحللين السياسيين والمتابعين للشأن السياسي الفلسطيني حول الأسباب التي دفعت حكومة "نتنياهو" للتوقيع على الصفقة في هذا التوقيت بالذات، بعدما ظلت الحكومات (الإسرائيلية) السابقة طوال السنوات الخمس الماضية ترفض وبشدة الاستجابة لشروط حركة "حماس" مقابل الإفراج عن "شاليط"، حيث ساق المحللون السياسيون العديد من الأسباب "المحتملة" التي "قد" تقف خلف موافقة حكومة "نتنياهو" أخيرًا على القبول بشروط حركة "حماس"، وذلك ما بين رغبة (إسرائيل) بمعاقبة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على توجهه إلى الأمم المتحدة في أيلول الماضي، لنيل اعترافها بالدولة الفلسطينية في حدود الرابع من حزيران/1967م، وهو الأمر الذي عارضته الولايات المتحدة و(إسرائيل) على وجه التحديد(...)، وما بين رغبة (إسرائيل) في استمالة المجلس العسكري المصري الجديد، وتحديداً بعد عملية مقتل الجنود المصريين على أيدي الجيش (الإسرائيلي) عشية عملية "ايلات" البطولية في أيلول الماضي، وهي العملية التي ألهبت الرأي العام المصري وعبر عنها باقتحام مقر السفارة (الإسرائيلية) في القاهرة، بالإضافة إلى أسباب أخرى "محتملة" قد يصعب حصرها(...)، وهي أسباب –في حدود علمي- أبعد ما تكون عن الواقعية السياسية التي تحكم عقلية "نتنياهو" اليمينية المتطرفة وأركان حكومته، ولكن الشيء المؤكد أن السبب الرئيس الذي دفع حكومة "نتنياهو" أخيراً للتوقيع على صفقة التبادل، هو اعتراف (إسرائيل) بالهزيمة الأمنية والعسكرية معاً في مواجهة حركة "حماس" طوال السنوات الخمس الماضية، حيث فشلت كل الجهود الأمنية التي تولتها المخابرات (الإسرائيلية) في الوصول إلى أي معلومة عن مكان وجود "شاليط"، في قطاع غزة والذي لا تزيد مساحته عن 365 كيلو متر مربع، رغم أسباب التكنولوجيا المتوفرة لمخابراتها، وجاءت الهزيمة العسكرية عشية العدوان على غزة في ديسمبر /2008م، لتعميق الفشل الأمني أكثر، والذي كان الوصول إلى "شاليط" حياً أو ميتاً أحد أهم أهدافه، بالإضافة إلى أسباب أخرى لم تتحقق أيضًا بفضل إدارة حركة "حماس" للمقاومة طوال أيام العدوان.
وعليه فإن النصيحة التي نتوجه بها إلى السلطة الفلسطينية، التي لازالت تعول كثيرًا على المفاوضات مع الجانب (الإسرائيلي) في الوصول إلى الحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني، هي الاستفادة من تجربة حركة "حماس" في إتمام صفقة "شاليط"، في إدارة عملية المفاوضات مع الجانب (الإسرائيلي)، وذلك من خلال التمسك بالحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني، وعدم اختلاق "الذرائع" لتقديم أي من التنازلات السياسية بعد اليوم، وذلك لأن السنوات العشرين الماضية من المفاوضات السرية والعلنية والمباشرة وغير المباشرة، وما تخللته من تقديم الكثير من التنازلات السياسية للجانب (الإسرائيلي)، بذريعة "إنقاذ ما يمكن إنقاذه"، لم تجلب للشعب الفلسطيني سوى المزيد من المآسي ومن مظاهر ذلك مصادرة ونهب الأراضي، وبناء المزيد من المستوطنات، وتهويد القدس، وطرد المقدسيين...الخ، من مظاهر العدوان (الإسرائيلي) اليومي على شعبنا، حيث أضحى مجرد الحديث عن إقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران/1967م، ضرباً من الخيال، وذلك لسبب بسيط أن (إسرائيل) لم تعترف بالهزيمة اتجاه السلطة الفلسطينية، مثلما اعترفت بها اتجاه حركة "حماس"، وكانت الصفقة شاهداً حياً على ذلك.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بعد اليوم هو: هل تغير السلطة الفلسطينية بعد اليوم من قواعد اللعبة مع الجانب (الإسرائيلي)، أم تبقى هذه القواعد على ما كانت عليه قبل عشرين عاماً؟.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع