جدول عادي عشنا لحظات فرح بتحرير الكوكبة الأولى من الأسرى والأسيرات الذين أمضوا زهرة العمر في زنازين الاحتلال فرحة تردد صداها في فلسطين كلها وفي مختلف أقطار اللجوء وساحات الشتات…
عشنا لحظات فرح بتحرير الكوكبة الأولى من الأسرى والأسيرات الذين أمضوا زهرة العمر في زنازين الاحتلال، فرحة تردد صداها في فلسطين كلها، وفي مختلف أقطار اللجوء وساحات الشتات، فرحة مفعمة برائحة النصر المضمخ بالتضحيات الجسام، التي دفعها الشعب الفلسطيني من دم أبنائه وعرقهم وقوت يومهم.
لقد شاركنا الشعب وأهل الأسرى فرحتهم الغامرة بالحرية ولم الشمل، كان يوم تجديد الالتزام بقضية الأسرى حتى "تبيض السجون"، يوم تجديد العهد على تحرير الأرض والإنسان، والظفر بالحرية والاستقلال.
كنا على قناعة منذ البداية أنه لم يكن متاحاً إطلاق أسير واحد من خلال المفاوضات من دون وجود شيء في اليد تفاوض عليه كما فعلت حماس. لقد جربت السلطة الفلسطينية ذلك بعد اتفاق أوسلو اعتماداً على "حسن نوايا" (إسرائيل)، ولم تحرر سجيناً واحداً، لأن الاحتلال يرى أن هؤلاء الأسرى رهائن لديه يقبض بهم ثمناً سياسياً، أقله إلغاء الحقوق الفلسطينية، وهو فوق ذلك لا يرى أن الأسرى الفلسطينيين هم أسرى حرب، بل يعاملهم كإرهابيين وقتلة، لذلك فإن كل الصفقات التي أبرمت معه كانت مقابل جنود أسرى أو جثث لجنوده.
صفقة الوفاء للأحرار أثبتت أنه لمن العبث المراهنة على أريحية وكرم (إسرائيل)، فهذه الأخيرة لا تعرف معنى للإنسانية ولا تتقن إلا لغة القوة، وهي من أجل أسير واحد شنت حرباً على قطاع غزة وقتلت ودمرت وارتكب المجازر، ومن أجل جنديين شن الاحتلال حرباً مدمرة على لبنان، وفي كلتا الحربين فشل في إنقاذهما، وانتهى الأمر بصفقتين لتبادل الأسرى.
إذن، هي موازين قوة في السلم والحرب، فإذا كنت تملك شيئاً تفاوض عليه تحصل على شيء، وإذا كنت لا تملك شيئاً فلن تحصل على شيء، لذا نحتاج إلى أن يستخدم العرب أوراقهم لتحرير كل أسرانا، وإلى إرادة وقرار مستقل لمواجهة عدو كهذا.
هناك أكثر من دلالة جديرة بالالتفات إليها في هذه الصفقة أهمها أن الحصول على مكاسب حقيقية على الأرض في الصراع مع الاحتلال لن يتم إلا بالمقاومة والجهاد وإراقة الدماء وليس عن طريق أروقة الفنادق والأمم المتحدة والموائد المستديرة!.
السجون الإسرائيلية كانت ومازالت مكان القتل الروحي والنفسي للفلسطينيين، فقد غصت هذه السجون ومراكز التوقيف والتحقيق والاعتقال بعشرات آلاف المواطنين الفلسطينيين دون تمييز بين طفل ومسن أو رجل وامرأة، وقد دأبت (إسرائيل) على انتهاك القوانين الإنسانية والاتفاقات والمعاهدات والأعراف الدولية المتعلقة بالسجناء، بما فيها اتفاقية جنيف الرابعة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان عندما حررت أذرعها العسكرية والأمنية والشرطة من أي قيد قانوني أو وازع أخلاقي ومن أي محاسبة لممارسة اعتقال عشوائي واسع، قلبت القاعدة المتبعة إلى أن "الفلسطيني متهم في نظر الاحتلال حتى تثبت إدانته"! لدرجة أنّ تقديرات متقاربة تقدر أن ثلث الشعب الفلسطيني لفترة ما مر بتجربة الاعتقال والسجن التي طالت في حالات كثيرة أسراً بكاملها!.
الطريق لا يزال طويلاً من أجل تحرير بقية الأسرى، وتظل إرادة المقاومة وصبر الشعب الفلسطيني أهم معاول هدم أسوار الاحتلال ولو بعد حين. وهذه الصفقة أثبتت أن أسرى فلسطين وراءهم مقاومة تأسر وتبادل، وتأكيد جديد على روعة هذا الخيار وبؤس خيار المفاوضات.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع