جدول عادي بات من المؤكد بعد عشرين عاما من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة والسرية والعلنية مع الجانب الإسرائيلي وما قدمه الفلسطينيون خلال هذه الأعوام الطويلة من تنازلات طالت…
بات من المؤكد بعد عشرين عاماً من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، والسرية والعلنية مع الجانب (الإسرائيلي)، وما قدمه الفلسطينيون خلال هذه الأعوام الطويلة من تنازلات طالت ابتداء التنازل عن 78% من أرض فلسطين التاريخية(...)، وقائمة التنازلات الفلسطينية طوال أعوام المفاوضات يصعب حصرها(...)، كل ذلك مقابل "فقط" اعتراف (إسرائيل) بإقامة دولة فلسطينية على ما نسبته 22% من أرض فلسطين التاريخية، ورغم عظم هذه التنازلات فقد تنكرت (إسرائيل) –حتى اليوم- لحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته، واشترطت مقابل الحصول على ذلك هو المفاوضات "غير المشروطة"، والاستجابة أيضاً للمطالب (الإسرائيلية) جميعاً، والتي تبدأ بالاعتراف بيهودية الدولة، ولا أحد يعرف بعد ذلك الشروط (الإسرائيلية) المستقبلية التي يمكن للأخيرة اشتراطها للقبول بحق الفلسطينيين بإقامة دولتهم، وهي بالتأكيد لن تكون أقل سوءًا من شروطها الحالية.
إن المفاوضات طوال العشرين عاماً الماضية لم يقتصر أثرها "الكارثي" على التنازل عن 78% من أرض فلسطين التاريخية بدون مقابل، وإنما امتدت آثارها "الكارثية" لتكون أحد أهم أسباب "انقسام" الشعب الفلسطيني طوال السنوات الماضية، بين مؤيد ومعارض للمفاوضات، وإن كان "يفترض" اليوم وبعدما تأكد للجميع "فشل" المفاوضات في تحقيق أي إنجاز سياسي للشعب الفلسطيني، باعتراف كبار المفاوضين أنفسهم الذين دافعوا بالأمس عن المفاوضات بكل ما يملكون، هو ""تلاشي" هذا الانقسام اليوم وليس غدًا، وعودة "اللحمة" إلى الصف الفلسطيني، ليستطيع هذا الشعب مواجهة الأخطار المتعاظمة التي تواجهه، وكان الانقسام السياسي الذي بدأ منذ التوقيع على اتفاقات "أوسلو" أحد أهم أسباب "تغول" (إسرائيل) على الشعب الفلسطيني، ويبقى العدوان على غزة، وكذلك الحصار (الإسرائيلي) المفروض على الأخيرة منذ العام 2006م، شاهدًا حيًا على ذلك.
وعليه فإن المأمول فلسطينياً بعد اليوم، هو التوافق فلسطينياً على خيارات المرحلة القادمة، وإن أي حديث عن العودة إلى المفاوضات مرة أخرى، هو غير مبرر بالمطلق، لأن من شأن ذلك تأخير المصالحة الفلسطينية المرجوة في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها شعبنا، كما أن من شأن العودة إلى المفاوضات إلقاء طوق النجاة لـ(إسرائيل) التي باتت باعتراف حليفتها الرئيسة –أمريكا- دولة "معزولة" دولياً، وقد "يتعذر" البعض من المسئولين الفلسطينيين لأسباب غير مبررة "تبرير" عودة السلطة إلى المفاوضات بالضغوط الدولية التي تمارس عليها، وتحديداً من قبل الدول المانحة(...)، وهي أعذار لم تعد اليوم "مبررة"، وتحديداً بعد ربيع الثورة العربية، والتي أعادت "التوازن" للموقف العربي، ولعل التأييد المصري الأخير للشروط الفلسطينية من العودة إلى المفاوضات، وهي وقف الاستيطان، والاعتراف بالدولة الفلسطينية في حدود الرابع من حزيران/1967م، هي أول "باكورة"" ربيع الثورات العربية بعدما ظل النظام المصري المخلوع طوال العشرين عاماً الماضية يلتزم الصمت من الضغوط (الإسرائيلية) على الجانب الفلسطيني للقبول بالشروط (الإسرائيلية) على طاولة المفاوضات، وعليه فإن هذا الموقف المتقدم لمصر ما بعد الثورة بالإضافة بالتأكيد إلى أسباب أخرى تستدعي الوقوف كثيرًا قبل اتخاذ أي قرار بالعودة مرة أخرى للمفاوضات.
إن حصاد المفاوضات طوال السنوات الماضية كانت محصلتها "مرعبة" على الشعب الفلسطيني، حيث اقترنت المفاوضات بالمزيد من التنازلات الفلسطينية، وبدون مقابل(...)، فالاستيطان (الإسرائيلي) في الضفة الغربية "ابتلع" ما نسبته 42% من مساحتها، ويبلغ عدد المستوطنين فيها اليوم ما يزيد عن 300 ألف مستوطن، والحال في شرق القدس أسوأ مما هو عليه في الضفة الغربية، حيث مارست (إسرائيل) عملية "ترانسفير" منظمة لسكان المدينة، ولعل هدم ما يزيد عن 387 بيتًا منذ بداية العام الحالي في المدينة، وتشريد سكانها البالغ عددهم 755 فلسطينياً، والشروع في بناء 1100 وحدة سكنية جديدة في القدس الشرقية مطلع شهر أكتوبر الحالي، يعكس شكل ومضمون المفاوضات التي تريدها (إسرائيل) مع الجانب الفلسطيني مستقبلاً، وهي مفاوضات "أبدية" تحقق (إسرائيل) من خلالها، ما عجزت عن تحقيقه في حروبها مجتمعة مع الدول العربية.
ويبقى السؤل الذي يطرحه كل فلسطيني بعد اليوم، هو ما الجدوى السياسية من العودة إلى المفاوضات مع الجانب (الإسرائيلي) بعد عشرين عامًا من المفاوضات والتنازلات ؟.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع