استحقاق أيلول بين الحقيقة والوهم!!

استحقاق أيلول بين الحقيقة والوهم!!

النائب د. محمد شهاب
2011-09-26

ما عرف باستحقاق أيلول والذي يتبناه محمود عباس ورفاقه ليس استحقاقا بالمعني الصحيح وتسميته بهذا المصطلح والترويج له إنما هو عنوان لمسرحية سياسية خادعة يستخدم فيها عباس ما أطلقه…

ما عرف باستحقاق أيلول، والذي يتبناه محمود عباس ورفاقه، ليس استحقاقاً بالمعني الصحيح، وتسميته بهذا المصطلح والترويج له؛ إنما هو عنوان لمسرحية سياسية خادعة، يستخدم فيها عباس ما أطلقه (أوباما) من وعد عابر في خطاب له بعد توليته الرئاسة وزيارة عباس له، يبشر ويطمئن الفلسطينيين والعرب، ويضحك على ذقونهم، كمثل أسلافه من زعماء الكاوبوي، لكن هذه المرة حدد أوباما لوعده بإقامة دولة فلسطينية تاريخاً هو أيلول 2011، ربما كان عقدة مقصودة عقدها مبالغة في المخادعة، على كل حال التقطها عباس فرحاً وأصبح بها رسولاً مبشرا في كل واد، ومرت السنون وعباس يتلقى الصفعات ببرود وبلادة أمام خذلان أوباما لكل حق فلسطيني، مقابل الانحياز التام والتبني المطلق وبكل تبجح لكل رغبة صهيونية، وبدا هذا جلياً في لقائه الأخير مع رجال الأيبك الصهيوني.

1-عزَّ على عباس ورفاقه الإقرار أمام الشعب بفشل المشروع التفاوضي وفشل الرهان على الحصان الأمريكي، لكونه يشكل انتصاراً لمشروع حماس في السلطة والمقاومة والصمود، ومع اقتراب تاريخ الوعد، الذي يعلم عباس أنه وعد صعب التحقيق وبعيد المنال؛ وجد عباس ورفاقه أنه لا مناص من العودة للمفاوضات المباشرة، ولكن بوجه جديد وحلة جديدة وزفة جديدة، أسماها خطوة تكتيكية.

2-هي المسرحية إذن، التي رسم السادة الكبار أهدافها وحددوا فيها الأدوار والمآلات، يعرف كل لاعب دوره وحدوده، وبشرط واحد: أن تكون خطوة سياسية تكتيكية تحريكية متقدمة للمسار التفاوضي السابق، في ذات السياق وعلى ذات الخطى، لخدمة وإرضاء أسياد المنظومة، منظومة صنم أوسلو وسردابه المظلم، وخلالها سيبرز عباس (مهندس مشروع أوسلو) مصارعاً مع لاعبي المسرح من العمالقة، يحرج أوباما ويضغط عليه في كل محفل كي يحقق وعده كالرجال، ويصول على نتنياهو يفضح غطرسته وتطرفه، جولة مصارعة سياسية مفتوحة، تظهر عباس بطلاً قومياً ينتزع حق شعبه من بين أنياب التنين، ثم يسدل الستار ويرجع المتصارعون ظاهرياً إلى المفاوضات الحميمة كما يحب السادة الكبار.

3-هي ليست استحقاقاً كما يزعم، بل خطوة منفردة انفرادية منه (عباس وفريقه)، وهي نموذج لسياسات القادة المتفردين المستبدين في العالم العربي وغيره، فهي إذن باطلة شرعياً وقانونياً ومنطقياً، خطوة خاطئة سياسياً، خطوة مرفوضة شكلاً ومضموناً، خطوة فاشلة سلفا، يكفي أنها لا تأتي في سياق التوافق الوطني, حيث لم يتم فيها التشاور والتوافق سلفاً مع قوى وفصائل الشعب, فهي لا تمثل الخيار الوطني، ولا أدري على أي أرض صلبة يقف محمود عباس وفريقه، وعلى أي قوة يراهنون في هذه الخطوة, إنه يتحرك بلا قوة وطنية، بلا قناعة شعبية، بلا تمثيل شعبي مكتمل، بلا صف وطني موحد خلفه.

4-هي خطوة تصفية لأهم ثوابت القضية، إنها خطوة محفوفة بمخاطر حقيقية تضرب بعمق في الأسس والثوابت والحقوق الفلسطينية حاضرا ومستقبلا، حيث تهدد بفقدان حق العودة، لأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيكون ثمنه "تحت الضغط والمساومة" الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل (الأرض والشعب والسلطة)، إذن هو التفريط العملي بل التصفية لحق العودة، وحرمان أكثر من ستة ملايين لاجئ مشرد في بلاد الشتات من حقهم بالمطالبة بالعودة إلى ديارهم وأرضهم التي هجروا منها عنوة، وحرمانهم من المطالبة بحقهم في تقرير المصير، وربما يتسبب في طرد من تبقى من الفلسطينيين من فلسطين المحتلة عام 48.

5-كما أنها خطوة تصفية لوضع م. ت. ف في الأمم المتحدة منذ عام 75 والمعترف به دوليا، فهي تهدد وضعها القانوني كعضو مراقب، ووضعها التمثيلي الذي تتمتع به كمؤسسة تمثل الشعب الفلسطيني بأكمله، ولأفهم كيف أن أرباب المنظمة وهي على هذا الوضع الأممي الأشمل والأقوى والأعمق؛ قد فشلوا في تفعيلها واستخدامها أممياً لنصرة القضية؛ فهليمكن لدولة مسخ هزيلة لا يمكن أن تمثل الكل الفلسطيني؛ كيف نتوقع منها أن تأخذ دوراً فعالاً وقوياً في الأمم المتحدة؟

6-كما أنها خطوة تصفية لمشروع المصالحة، وهذا واضح فيما تسببت من تأجيل وتعطيل مقصود في تشكيل حكومة الوفاق الوطني وباقي بنود اتفاق المصالحة، وذلك بحجة ذلك الاستحقاق الموهوم.

7-إذن هي خطوة قاطعة طريق على إرادة الوفاق الوطني بكل بنوده!! ذلك الوفاق الذي تجلى في أروع صوره وأبهى حلة، مهندس المسرحية لا يريد إعادة بناء وتفعيل المنظمة لتقوم بدورها الوطني المنشود كممثل شرعي لكل الشعب الفلسطيني، بل يريد زوالها من الوجود، قبل أن تطأها قدم حماس، هكذا أمره الشيطان الأكبر.

8-ونقول لمن يرى في هذه الخطوة من نفع فهو مؤقت وموهوم ولمن يبني عليها الآمال عظام، هو محض سراب في سراب، وليستذكر إهدار عقدين من الزمن في مفاوضات خائبة،مضيعة للجهد والوقت وملهاة وضحك على ذقون الشعب.

9-إن أقصى ما يمكن أن يحققه عباس ورفاقه من خطوته من إحراج وفضيحة للتحيز الأمريكي والإجرام الإسرائيلي؛ لا يساوي معشار معشار ما سيدفعه من تنازلات مصيرية.

10-ترى هل يتوقع عباس ورفاقه أن تلتزم إسرائيل بالقرارات الأممية، ألا يدري كم رفضت من قرارات أممية؟ أم يتوقع من النظام العالمي الذي تقوده أمريكا أن يجبرها على شيء؟ أم أن خوربتشوف سيضرب الطاولة بحذائه في مجلس الأمن من أجل هدم جدار الفصل العنصري وإزالة المستوطنات من دولة عباس؟

11-الغريب أن عباس ورفاقه، لا يزال يعيش روح اتفاق أوسلو قبل عقود، ولا يزال يعيش بروح العجز والهزيمة والضعف والهوان، إنه لا يقرأ الواقع الحاضر جيداً، وإذا قرأه، فإنه لا يحسن السير بمقتضاه، لا يعلم أننا اليوم نعيش صحوة ويقظة وقوة وربيعاً عربياً محيطاً مبشراً بسقوطصروح الجبابرة، وما ذلك عن أمريكا وغيرها ببعيد، هو لا يستحضر حقيقة أن "الله أكبر!!"ولا يزال عباس يبحر بفلكه المهترئ في ظل أولئك الجبابرة.

12-إن سقف شعوبنا العربية الثائرة أعلى وأكبر, فلماذا الهوان ياعباس؟ إسرائيل المحتلة لأرضنا ومقدراتنا تفقد أهم وأخطر حلفائها في المنطقة, وها هي تخسر وتنكسر بالنقاطأمام صمود شعبنا وبسالة مقاومته، كما أن فرائصها ترتعد من توقع مآلات هذه النهضة الإسلامية وهذه الثورات والتغييرات المباركة في محيطنا العربي والإسلامي والتي تهتف باسم فلسطين كل فلسطين.

13-الدولة يا عباس لا تقام بالمفاوضات ولا تستجدي من الآخرين, بل تبنى بأيدي أبطالها المجاهدين الذين يفرضون على العالم احترام إرادتهم، ويعمدون ذلك بالكفاح والجهاد والتضحية بالدماء الزكية، حقنا في السيادة على أرضنا وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس؛ هو حق أصيل للشعب وليس منَّة من الآخرين، وهذا العالم يحتقر الضعفاء، ويمقت البهاليل، ولا يحترم إلا الأقوياء في كل شيء.

14-ختاماً نقول لكل ظالم مستبد أفاك مبين: كفى استبداداً، كفى إهداراً لإرادة الشعب، كفى استخفافاً بعقولنا، كفى تسويقاً للوهم والسراب، مهما زينتم لنا خطوتكم، فنحن أعلم بها وبكم، وإنما مثلنا ومثلكم كماقال عمرو بن العاص لمسيلمة الكذاب: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كذاب، فهل أصبح الرائد يكذب أهله؟ أم كذب حتى صدق نفسه مثل أشعب في الأمثال؟ وهل يكون مصيره ذات المصير؟لم لا؟ فأطفال شعبنا أقوى إرادة، وأكثر وعياً، والحجارة إلى أكفهم أحب وأسرع لرجم المحتل والمختل على سواء.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026