صفحة جديدة لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج مواساة وتسلية للرسول لما لاقاه من صناديد قريش وأهل الطائف من أصناف العذاب والصد عن سبيل الله فأكرمه الله بهذه الرحلة المباركة ليكون في…
لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج مواساة وتسلية للرسول ( لما لاقاه من صناديد قريش وأهل الطائف من أصناف العذاب والصد عن سبيل الله، فأكرمه الله بهذه الرحلة المباركة ليكون في رحاب مولاه ليرى من آيات ربه الكبرى، فيزداد إيماناً ويقيناً وثباتاً توطئة للهجرة إلى دار الإسلام في المدينة المنورة، وتمهيداً لمرحلة الجهاد والمواجهة العسكرية مع أعداء الله، وهذا هو المنهاج القرآني في إعداد النفوس المؤمنة لمرحلة المواجهة مع الباطل، فالله سبحانه حين كلف موسى عليه السلام بمواجهة فرعون مهد لذلك فأراه آياته الكبرى، لأن مواجهة الباطل المتمثل بفرعون يحتاج إلى مزيد من اليقين والثبات على الحق قال تعالى ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى* قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى* اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى( طه آية 17-24.
وهذا هو اليوم الذي يجب على الدعاة المخلصين والمجاهدين المرابطين في فلسطين أن يفهموه ويعوه( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( آل عمران آية142
لقد كانت حادثة الإسراء والمعراج ولم يكن وقتها مسجد مشيد، ولكن كان هناك مكان للمسجد، فذكر المسجد الأقصى بشارة من الله سبحانه وتعالى بأن هذا المكان سيتحول إلى مسجد وأن الإسلام سيمتد وينتشر وسيتحرر هذا المسجد من ربقة الرومان الذين كانوا يسيطرون عليه، فهي بشرى للرسول (وللعاملين بأن المسجد الأقصى أصبح إسلامياً وهو في حوزة المسلمين منذ أن أسرى برسول الله ( ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (الإسراء آية 1
كما أعلن الرسول بذلك حين قال"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" رواه البخاري. فالأقصى آية في كتاب الله لا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة وجبروت أن يشطبها من كتاب الله، وسيظل الأقصى ملكاً لأجيال المسلمين يفدونه بأرواحهم حتى طرد الاحتلال مهما اشتدت الكربات وكثرت العقبات.
وجاءت البشرى بدخول عمر رضي الله عنه بيت المقدس ومعه أربعة آلاف صحابي جبلت دمائهم بتراب الأقصى وفلسطين، وتسلم مفاتيح القدس من بطريرك القدس صفرو نيوس، وكتب العهدة العمرية التي أمَّنتهم على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ومعابدهم وشعائرهم. وانتصر الإسلام في فلسطين بعزة الإسلام ومنهاج القرآن، وظلت كلمات الفاروق مدوية إلى يوم الدين حين قال إن الله أعزنا بالإسلام فإذا ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله. ثم ضعفت الأمة وأصابها الوهن حتى احتل الصليبيون بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ولم يرتفع الآذان فوق مآذن الأقصى مدة 90 عاماً حتى هيأ الله لهذه الأمة قادة من المسلمين نذروا أنفسهم لتحرير القدس أمثال عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود الذي لقب بالشهيد ولم يستشهد في المعركة، فقد مكث عشرين عاماً وهو يجهز نفسه لتحرير القدس فصنع منبراً للأقصى ليوم النصر، ولكن الله لم يقدر له ذلك فمات رحمه الله ثم جاء من بعده تلميذه صلاح الدين الأيوبي الذي حقق الله على يديه النصر في معركة حطين ومن ثمَّ كان فتح بيت القدس في 27/رجب /583هـ.
لقد اقتضت حكمة الله أن يربط المسجد الأقصى بذكرى الإسراء والمعراج في كل عام لتظل هذه الذكرى المقدسة حية في نفوس المسلمين تذكرهم بالمسجد الأقصى مسرى رسول الله ( وتحي في نفوس الملايين من المسلمين روح الجهاد والاستشهاد في سبيل الله مهما اشتد الكرب وطال الزمن، وتبعث الأمل في النفوس بأن النصر قادم بإذن الله عز وجل( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( الحج آية 40.
لقد كانت البشرى يوم أن هب الشعب الفلسطيني كله حين دخل المجرم شارون ومعه ثلاثة آلاف صهيوني المسجد الأقصى في 28/9/2000م فكانت انتفاضة الأقصى التي مَّرغت أنوف الصهاينة المجرمين في الوحل من تلك الضربات الموجعة من خلال العمليات الاستشهادية البطولية والتي كان آخرها العملية المزدوجة في بئر السبع حيث انبرى لها بطلان استشهاديان من أبناء خليل الرحمن وهما نسيم الجعبري وأحمد القواسمي وفجرا نفسيهما في سبيل الله فقتلا 16 صهيونياً وجرحا ما يزيد على 100 صهيوني حسب المصادر الصهيونية. لقد كانت بالفعل عملية بطولية فريدة من نوعها زرعت الرعب في قلب العدو الصهيوني وأفقدته صوابه حتى اعتبرها من أخطر العمليات الاستشهادية حيث أجبرته أن يعترف بعجزه عن السيطرة على حماس في الخليل، فقد جاء على لسان إذاعة الجيش الصهيوني أن مدينة الخليل يصعب فيها ضرب قاعدة حماس، وأن الجيش والشاباك حتى الآن لم يتمكنا من منع مقاتلي حماس من الوصول إلى أهدافهم، كما وصفت إذاعة العدو حركة حماس في الخليل بأنها "أيدلوجية وليست عفوية" وأن عائلات كبيرة بأكملها تنتمي إلى حماس، وصدق الله العظيم حين يقول( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (التوبة آية 14.
وتأتي مجزرة الشجاعية مساء يوم الاثنين 6/9/2004م لكوكبة من أبناء القسام 14 شهيداً الذين نذروا أنفسهم ودماءهم لله رب العالمين وللأقصى المبارك فاستشهدوا وهم يؤدون واجبهم الجهادي المقدس .. إن إقدام شارون المجرم على هذه المجزرة البشعة تؤكد للعالم يوماً بعد يوم على طبيعته الدموية التي لا تنفك عنه لحظة واحدة، ومع ذلك فهو يدرك تمام الإدراك أن رد القساميين لن يطول، وأن الأكياس السوداء ستلف جيشه وجنده بمساحات أوسع وأكثر... وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
إننا على يقين أن الله تبارك وتعالى معنا( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(الحج آية 38. وهو ناصرنا ومؤيدنا، وأنه مظهر دينه على الدين كله، وأنه ناصر الفئة المؤمنة المرابطة على ثغور الوطن في فلسطين. فقد روي الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه ( قال " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. قالوا يا رسول وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس"
وقال ( في الحديث الصحيح "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام ، وذلاً يذل به الكفر"
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع