فضائل المقاومة (4)

فضائل المقاومة (4)

د. عصام عدوان
2011-09-07

جدول عادي تتعدد سبل المقاومة لتشمل كل مناحي الحياة ويشارك فيها المجتمع على اختلاف فئاته وتخصصاته وكل على ثغرة يذود عنها ويحميها ويقوم بواجبه ويبرز الكفاح المسلح من بين هذه السبل…

تتعدد سبل المقاومة لتشمل كل مناحي الحياة، ويشارك فيها المجتمع على اختلاف فئاته وتخصصاته، وكلٌ على ثغرة يذود عنها ويحميها، ويقوم بواجبه. ويبرز الكفاح المسلح من بين هذه السبل باعتباره أقصر الطرق نحو التحرير. وعندما ينخرط الشعب في المقاومة، يحقق فوائد وفضائل عِدّة، تتضاءل بجوارها التضحيات، ومن ذلك:

12- يؤدي انهماك الشباب في المقاومة في شتى ميادينها، إلى توظيف جهودهم فيما فيه رفعة الأمة وعزتها، ويصرفهم عن سفاسف الأمور، وعن إضاعة الأوقات فيما حرَّم الله، كما يفعل كثير من شباب الأمم اللاهية. وتصبح للشعب المقاوِم رسالة في الحياة، تستوعب طاقاته، وتوجهها لما فيه مصلحة للأمة. ويغدو من مهام المسئولين العمل على استيعاب كل الطاقات وتوظيفها فيما يفيد عملية التحرير.

13- وكما تستوعب المقاومة قوى الشعب وطاقاته، وتوجهها نحو التحرير، فإنها تفرض مسئوليات من نوع خاص على قيادات الشعب ومسئوليه. ففي ظل الاحتلال تنصرف جهود القيادة إلى تفجير طاقات الشعب وتثويره، وتحريضه على القيام بمسئولياته تجاه طرد المحتل، وتحريضه على القتال من أجل تحرير الوطن، كما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ .." (الأنفال 65)، فالتحريض على القتال هو بالدرجة الأولى مهمة القيادة، وهذا يستوجب من القيادة تسخير كل إمكانات الأمة في عملية التحريض، سواء عبر أجهزة التربية والتعليم، والمساجد، والإعلام بأنواعه. وتمتد مسئوليات القيادة في عملية التحريض على القتال وتهيئة الأمة له ولعواقبه إلى تأسيس مؤسسات لرعاية أسر الشهداء والأسرى والجرحى. وتوجيه عمليات البناء والإعمار بما يلائم طبيعة المواجهة مع العدو. والاعتناء بالزراعة واقتصاد الصمود على حساب قطاعات الاقتصاد الأخرى وبما يحافظ في الوقت نفسه على تلبية حاجات الشعب منها جميعها، دون إفراط ولا تفريط. وتدير القيادة مقدرات الشعب بمنتهى الدقة والمسئولية، فليس هناك مجال في ظروف مقارعة الأعداء للإسراف على الحفلات والسفريات، والضيافة، والبطالة المقنَّعة، والرواتب الخيالية في ظل مستوى معيشة متدن بشكل عام. وهكذا تؤثر المقاومة في أسلوب القيادة والجماهير في إدارة الموارد المتاحة، بشرية ومادية، بما يخدم المعركة مع العدو على طريق التحرير.

14- تفرض المقاومة على قيادات الشعب المقاوِم الانخراط في صفوف الشعب والمساواة معهم في أوجه حياتهم المختلفة وعدم التعالي عليهم، فلا تمتاز القيادة بما ليس في أيدي الناس ولا في مقدورهم، ودون أن يؤثر ذلك في الوقت نفسه على هيبة القيادة، فهيبتها لا تُستمد من المساكن والسيارات والملابس الفارهة والفاخرة، بل من العدالة والمساواة والحزم دون جوْر.

15- يصبح الشعب المقاوم مراقباً لسلوك القيادة وأدائها، بسبب ما يتسم به الشعب المقاوِم من حيوية وفاعلية، فالذي رفض الظلم من العدو لن يقبله أيضاً من الصديق، ويتسم سلوكه بالجرأة في الحق، والتمرد على الباطل مهما كان مصدره. ولا بد للقيادة من تعزيز هذه الروحية لدى أفراد الشعب وتوجيهها للاستثمار الأمثل.

16- تتعزز مكانة القيادة في نفوس الجماهير عندما تتبنى المقاومة وتدافع عنها، وتتعرض للمخاطر ذاتها التي يتعرض لها الشعب المقاوِم ورجال المقاومة، فيصبحون هدفاً للعدو، ويُفرض عليهم الحصار، وتُدرَج أسماؤهم على قوائم المطلوبين للاحتلال. وبالتالي تتماهى قيادة المقاومة مع أبنائها، الأمر الذي ينعكس إيجابياً على سلوك الأفراد ويستثير فيهم الهمة والإقدام والتضحية والفداء، والعكس بالعكس.

17- كما تتعزز مكانة القيادة المقاوِمة بين زعماء العالم الذين يؤيدون مقاومة الشعب للاحتلال الواقع عليه. فينظر الزعماء وقادة الدول والمنظمات بإعجاب لهذه القيادة، الأمر الذي يستثير فيهم الرغبة في تقديم الدعم والمؤازرة بكافة الطرق المتاحة. وقد لاحظنا كيف كان ترحيب الكثير من قيادات العالم بياسر عرفات عندما كان يقود مقاومة الشعب الفلسطيني. ولاحظنا كيف رحب زعماء الدول العربية بأحمد ياسين بعد خروجه من سجون الاحتلال، لأنه كان يقود حركة مقاومة. فضلاً عن اشتهار عدد من قيادات المقاومة العالمية مثل: ماوتسي تونج، وجيفارا، وديغول، وجياب.

18- تؤدي المقاومة إلى انقسام الموقف العربي والدولي تجاهها إلى فريقين؛ مؤيد ومعارض. وهكذا يستفيد الشعب المقاوِم بالتعرف على أصدقائه ومؤيديه، فيشعر بأنه ليس وحيداً في مواجهة الظلم الواقع عليه، ويجد من أنصاره كل دعم ومؤازرة، وتُفسح أمامه منابر تلك الدول الصديقة يشرح قضيته العادلة من خلالها، فيوصل صوته لكل العالم. وهذا ما حصل مع فصائل العمل الفدائي والثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية خصوصاً في أواخر الستينيات والسبعينيات. وهو ما حصل مع حركة حماس وقوى المقاومة الفلسطينية في السنوات الأخيرة. ومن الواضح أن فريق الدول المناصرة للمقاومة يزداد جراء هذه العلاقة، والعالم العربي مقبلٌ على تغييرات جذرية سترفد المقاومة بالمزيد من الدعم بإذن الله. كما يتعرف الشعب المقاوِم على أعدائه ومناصريهم، فيتعامل معهم على هذا الأساس، ويحذر مبادراتهم وتحركاتهم واتصالاتهم. ولولا شروع الشعب في مقاومته لاختلط أصدقاء الشعب بأعدائه، مما سيؤدي إلى موت قضيته العادلة.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026