فضائل المقاومة (3)

فضائل المقاومة (3)

د. عصام عدوان
2011-08-24

جدول عادي تتعدد سبل المقاومة لتشمل كل مناحي الحياة ويشارك فيها المجتمع على اختلاف فئاته وتخصصاته وكل على ثغرة يذود عنها ويحميها ويقوم بواجبه ويبرز الكفاح المسلح من بين هذه السبل…

تتعدد سبل المقاومة لتشمل كل مناحي الحياة، ويشارك فيها المجتمع على اختلاف فئاته وتخصصاته، وكلٌ على ثغرة يذود عنها ويحميها، ويقوم بواجبه. ويبرز الكفاح المسلح من بين هذه السبل باعتباره أقصر الطرق نحو التحرير. وعندما ينخرط الشعب في المقاومة، يحقق فوائد وفضائل عِدّة، تتضاءل بجوارها التضحيات، ومن ذلك:

1) المقاومة امتحان لقدرات الشعب واستكشاف لطاقاته، فالشعب الخامل لا يكتشف قدراته ولا يدرك قيمة نفسه بين الأمم. ويُقال إن الذهب لا يلمع إلا بعد صهره بالنار، وقد لاحظنا كيف أن الأمة العربية اليوم قد أماطت اللثام عن طاقات جبارة كانت تختزنها، ولولا أن الشعوب العربية قد هبت لانتزاع حقوقها لما اكتشفنا ذاتنا على النحو الجاري في منطقتنا العربية. وكذلك شعبنا الذي يرزح تحت الاحتلال، يكتشف ذاته، وقدراته، وطاقاته بالمقاومة، فشروعه في المقاومة دليل على حياة هذا الشعب وحيويته، وكما قيل: "أنا أشعر فأنا موجود" فالمقاومة تؤكد وجود شعب، ولو أن شعبنا الفلسطيني لم يعالج الاحتلال اليهودي بالمقاومة، لصدَّق العالم ادعاء الاحتلال بأنه لا يوجد شعب اسمه الشعب الفلسطيني.

2) المقاومة تعبر عن حالة وعي وإدراك بالظلم الواقع على الشعب. وليس هناك ما هو أظلم من الاحتلال. والشعور بالظلم هو أولى الخطوات نحو العمل على إزالته. وقد ضرب الله تعالى لنا مثلاً في قوله: "ألم ترَ إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم أُلوفٌ حذر الموت، فقال لهم الله موتوا، ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون" (البقرة 243)، ومن بين ما قيل في تفسيرها أن هؤلاء الفارين من الموت، كتب الله عليهم الذلة واستكانوا للظلم الواقع بهم، حتى إذا ما خرج من أصلابهم من استحقر الذلة وشعر بالظل كانت تلك حياته من بعد موت شعوره وذلته. فانهماك الشعب في مقاومة عدوه على كافة الصُّعُد، هو دليل حياة ووعي وإدراك، والعكس بالعكس.

3) المقاومة تعبير عن حالة كرامة وعزة يحيا بها الشعب، فهو لا يرضا بالذلة ولا الاستكانة ولا الخضوع للمعتدي. وممارسة الشعب بكافة فئاته لأشكال المقاومة المختلفة يعزز شعوره بأحقيته في الحياة والحرية والعيش الكريم، ويجعله في مصاف الأمم والشعوب التي كافحت وناضلت من أجل حريتها واستقلالها وتعيش اليوم في صدارة الأمم، كالولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، والصين.

4) توفر المقاومة دافعاً قوياً لتطوير الذات، فالشعب الذي يعاني من الاحتلال ويقاومه، يعمد إلى التعليم كسلاح يواجه به عدوه، ويلجأ إلى الله تعالى، فيصبح أكثر نقاءً وتقوىً، وأبعد عن المعاصي والذنوب التي تتسبب في الهزيمة وإضعاف النفس، ويشرع في تدبير مقومات حياته الاقتصادية والعسكرية والأمنية بأقصى طاقته. وقد لاحظنا كيف انهمك الشعب الفلسطيني في التعليم، وصدَّر إلى البلاد العربية معلمين ومهندسين وأطباء ومن كل التخصصات. ورأينا كيف تغلغل الحس الديني بين أبناء الشعب وأقبل الناس على العبادات ورفع الشعارات الإسلامية، وامتلاء المساجد بالمصلين، وكثرة مصلي الفجر فيها، وإقبال الأبناء على حفظ القرآن حتى أصبحت أعدادهم بعشرات الآلاف. كما لاحظنا كيف أبدعت قوى المقاومة في تصنيع السلاح، وفي وضع استراتيجيات وتكتيكات عسكرية ملائمة قدر الإمكان، وبما يتناسب مع الحالة الخاصة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني الذي طوقته أنظمة حارسة للاحتلال. كما رأينا كيف بدأ الشعب في مقاومة اقتصادية يسعى من ورائها إلى الاكتفاء الذاتي رغم الحصار الاقتصادي والسياسي. ولو انتهج الشعب سبيل الإذعان للعدو لما وصل إلى ما وصل إليه، ولما لمع اسمه بين الأمم عَلَماً على الحرية وأستاذاً في المقاومة تحذو حذوه كل شعوب الأرض المقهورة. وللحديث بقية.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026