صفحة جديدة أ د نزار عبد القادر ريان اشتهر عن العرب الأوائل الذين تشرفوا بحمل الرسالة الخالدة ونزل القرآن الكريم بلغتهم قولهم تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها يشيرون إلى عظمة الإباء…
أ. د. نزار عبد القادر ريان
اشتهر عن العرب الأوائل؛ الذين تشرفوا بحمل الرسالة الخالدة، ونزل القرآن الكريم بلغتهم قولهم" تجوع الحرة، ولا تأكل بثدييها" يشيرون إلى عظمة الإباء، وبلوغ الغاية في الشموخ والاستعلاء، من أن يأكلوا لقمة ذل أو مهانة، ومما ذاع بينهم قول شاعرهم
ولقد أبيت على الطوى وأضله حتى أنال به كريم المأكل
ثم جاء إسلامنا العظيم، ليؤكد معاني الإباء عند هؤلاء الأمجاد، فصاروا قمر الصحراء وبدرها، يهتدي بهم الخلق في الظلمات.واليوم، تعلو راية الجاهلية الأمريكية، وينجم البوم في الورى، فيقع أبناء العرب المسلمين، أسرى عند أكثر أهل الأرض خسة وانحطاطًا، فيعتقل الفلسطيني ربع قرن من الزمان، لأنه فكر مرة واحدة فقط، كيف يمكن أن يزور داره التي اغتصبها السجان قبل خمسين سنة، إن نجا من قصفه وقنصه.وبين يدي السجان، تقرقع السياط والأقفال، وتصفد الأيدي والأقدام، وتلبس الأكياس السود المنتنة في الرؤوس، وتعصب العيون، وتنتف اللحى، وتحلق الشوارب، ويسب الدين والإسلام والإيمان والأمة، ويتحكم الخسيس بالكرام، فإن صفق بيديه مرة واحدة فعليهم القيام، وإن صفق مرتين، فعليهم الجلوس، ويحلو له اللعب بالمعصوبة أعينهم، المقيدة أيديهم، المحرومين من النوم أيامًا وأسابيع.
هذه لعبة السجان اليهودي، يتضاءل أمامها ما يقع في سجن أبو غريب العراقي، أو بقية سجون الصحراوات العربية، التي تحذو حذو السيد الأمريكي، فتشيد السجون على غرار سجون الأمريكان، فيجرد المعتقلون من ثيابهم، ويمنعون من قضاء الحاجة منفردين، فيحار المعتقلون الأحرار، فهل يمكن السكوت؟ أو يحتمل الاعتداء على الكرامة؟ وما بقيت لنا غير الضلوع بنادق نذود بها عن أعراضنا، بها يدافع عن نفسه الأسد؛ أليف البندقية المعشوقة بين الجبال، تسبح معه والطير } رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ } يترنم مع الضواري والسباع " بل فاسقني بالعز كأس الحنظل" لا ترى له دمعة وإن جلت مصيبته، له رقة النسمة الباردة في ليل الزنازين الكالح، وهدوء كهدوء العذراء في خدرها.
هذا هو المعتقل الفلسطيني، حين يلقى بين قيد يرتوي دم الفؤاد، وبين سجان يراود الكرامة أن تزول، فلا يحار البطل أو يتردد، فالخيرة للشهامة والبطولة والفداء، وإن حملت بين ثناياها الشهادة في سبيل الله، الشهادة التي عرفها المعتقل أسعد الشوا، يوم يتحدى السجان المتغطرس، ويقف بصدره يواجه الرصاصات، فيعيد حكاية الند العالي؛ يتحدى بصدره القناص، يعلم السجان من نكون! يعلمه أنَّا نحن العرب المسلمين، نحن من دسنا بسنابك الخيل الأصيل فارس وروما، نحن من صلنا بها نحو العلى، لم يقف في وجهنا بحر أو نهر، أو سد أو جبل، نعلمه أنه كلما زاد عدد السجانين في الكيان المسخ، وكلما قوي شأنهم، كلما كان زمن انهيارهم قريباً وعاجلاً.
تحسب دولة البغي أن أيامها خالدة، وما وعظها غياب الإمبراطوريات القديمة والحديثة، وهي لم تدرس من التاريخ ما يبصرها بالقيم، فالأنظمة إذا أوشكت على الموت قاومته بالإرهاب والتعذيب، والتظاهر بالقوة والحياة، تتعلق بالقتل والدمار والدماء، فكلما أشرفت دولة الاغتصاب على الهلاك، تشبثت بما تتصوره يزيد في عمرها، كما كان الإتحاد السوفيتي يشيخ ويذبل، ويشيخ زعماؤه المسنون ويذوون؛ إبريجنيف، وتشيرننكو، وأندروبوف، فكانوا يحاربون هذه الشيخوخة والنهاية بمساحيق إرهابية، ويحاولون استعادة الشباب، وإشعار العالم بأنهم لا زالوا أقوياء، فكانت مساحيق التجميل آخر أنفاس الإتحاد السوفيتي.
تمامًا هكذا يبدو الحال لدولة الاغتصاب والعدوان، التي لا زالت تغالي في المساحيق، بل وزراعة الأعضاء، وجلب المغتصبين من كل مكان، فتبني الشيك والسور العظيم، وتقتل الحياة والمياه والشجر، وتقيم في كل بقعة سجنًا ومعتقلاً، يشرف عليه وزير الرعب الداخلي، نيرون دولة العصابات، يتهدد المعتقلين مرة إثر أخرى" ليضربوا عن الطعام حتى يموتوا جميعًا، فلن نحقق لهم مطلبًا واحدًا، ليموتوا جميعًا".
ليموتوا جميعًا، وما الغرابة؟ فهذه سياسة الدولة المذعورة، التي حولت فلسطين إلى لعبة سهام قذرة، فقد تناقلت الأخبار اللعبة الجديدة لجيش العصابات الإسرائيلي، الذين كلما قتلوا فلسطينيًا رسموا علامة ضرب على بنادقهم، ويتبارون فيمن يجمع أكبر عدد ممكن من العلامات، ليصير قدوة يتعلم منه بقية الجند كيف تصير بلادنا ساحة قنص بشري واصطياد.
سنواصل الإضراب يا نيرون، وستمضي سفينتنا حتى تغيب شمسكم، ويزول نجمكم، لأننا مع الوطن المسلوب نصبح ونمسي، نقتات حكاياته مع العلقم والقتاد، وأنتم تعيشون على امتصاص الدماء، تحسبون حل مشكلات الدولة بالسوط والإرهاب، ونشر الخوف والذعر بين الناس، فيتولى أشباح الليل، وأشباه الرجال أمنكم، وتجعلون الكون كله مكتب تحقيق واستجواب، على المعابر والحدود، بين الأزقة والسكك، في كل حي وحارة، وتنشرون الطائرات تجس على الناس وتحصي الأنفاس، تتلصصون وتسمعون، فكل الخلق متهمون بمعاداة السامية، يتربصون بكم ويتهددونكم، تحسبون كل صيحة عليكم، فتتوعدهم العصي الأمريكية؛ بالخوف والجوع والذل والعبودية.
إن كل حضارة تقدس القوة، وتحترف الرذيلة، وتهلك الحرث والنسل، مصيرها الاندحار، ويتأكد هذا المصير كلما ذكّرت البشرية بنماذج العسكر الذين أحالوا الحرب إلى نموذج يقتدى به في تبليغ الفكرة، ورفع الراية، كما المتغطرس الأمريكي اليوم، وربيبته المغتصبة إسرائيل.
سنضرب عن الطعام، وسنقيم في كل حي خيمة اعتصام تساند المضربين عن الطعام، لأننا قررنا أن نتحمل مرارة الظمأ والجوع والحرمان، لتحقيق مطالبنا في الحياة الحرة الكريمة، فلسنا قطاع طرق، أو شذاذ آفاق، نحن أهل حق، لنا الوطن كله، أنسابنا فيه ساطعة كعمود الشمس، وعرقنا فيه غير دساس، لم نجلب كالمتاع من بعيد، اختلعنا من يافا وحيفا والجليل، طردنا من بئر السبع وأم الرشراش، لنا بيسان وطبريا، لنا عكا وصفد، لنا القرى والمدن والمرابع الغناء، تسكنها الفلاشا والهنود المجلوبون زورًا إلى بلادنا في دورنا، وتبنى لنا المعتقلات والسجون.
سنقاوم السجان حتى ننال حقوقنا التي تكفلت بها أنظمة الأمم المتحدة العمياء، التي تبصر الجوع المزعوم في دارفور، ولا ترانا تحت سياط الجلادين اليهود، نموت جوعًا لنيل كرامتنا.
سنقاسي آلام الجوع والعطش، حتى تعلم يهود أن في ديننا قوة وعزمًا، يمكن أن ينتزع من شدق الأفاعي حقنا المسلوب.
ما كان السجن يا إسرائيل عارًا، وما كان الجوع شتيمة، إنما تشتم الأمم التي لا تعرف الأخلاق، لا سيما أخلاق القوة في مواجهة الضعف، ولا أضعف من الأسير في قيده، الأسير الذي يكتشف في فلسطين سر قوته، في استعلائه على الطعام والشراب، حتى تتحقق مطالبه، ويعرف سر ضعف العدو، وكذبه على الشعوب، حيث يريد أن يبدي للناس صفحة غير الحقيقة التي يحي فيها، فإسرائيل في الإعلام واحة الديمقراطية، وميدان الحضارة، ومضمار الرقي، تعيش وسط غابة من العرب الذين لا يرون للإنسان قيمة، ثم يفضح المعتقل الفلسطيني زيف إسرائيل، ويعريها من دثارها المزعوم، ويرسم صورتها القاتلة، التي تضطهد المعتقل، وتجرده من ثيابه، وتقتله في أقبية التحقيق، جوعًا وعطشًا وخنقًا، فتخاف إسرائيل من هذا الثائر الجائع، الذي يستعلي على الجراح، يخيفها صوته حين ينادي من وراء الأسلاك والأشواك مستعليًا؛ عائدون عائدون، إننا لعائدون، عائدون عائدون، إننا لعائدون.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع