جدول عادي مع مرور خمسة أعوام على أسر الجندي الإسرائيلي شاليط لدى المقاومة الفلسطينية طفت على السطح مجددا مظاهر التعاطف معه في ظل تجاهل تام لمعاناة أسرانا الأبطال خلف قضبان العدو…
مع مرور خمسة أعوام على أسر الجندي الإسرائيلي شاليط لدى المقاومة الفلسطينية طفت على السطح مجددا مظاهر التعاطف معه، في ظل تجاهل تام لمعاناة أسرانا الأبطال خلف قضبان العدو، شاليط نفسه لم يكن يعلم بأنه سيحظى بكل هذا الكم من التعاطف والإنسانية الكاذبة معه حين أسره، إن المشاعر الفياضة وموجة التعاطف الجياشة التي صدرت مؤخرا من العديد من المؤسسات والجهات ما هي إلا مشاعر زائفة، منحازة بكل تأكيد لصالح الجلاد ضد الضحية.
قد يتفهم المرء مواقف المؤسسات الدولية العاملة بحقل حقوق الإنسان والمنحازة لقضايا الاحتلال وأعوانه، لأنها بالأصل أُوجدت لتجميل وجه الاحتلال البغيض ،لكنه من الصعوبة بمكان أن نسمع بمثل تلك المواقف وقد صدرت عن مؤسسات محلية – فلسطينية – يرأسها فلسطينيون ،إن بعضا من المؤسسات الحقوقية المحلية آثرت مصلحة الاحتلال وتساوقت مع فكره، حينما ارتضت لنفسها التوقيع علي بيان مشترك مع منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية، يطالب بالإفراج عن جلعاد شاليط، ويندد بما يزعمون أنه "تعامل قاسٍ وغير إنساني وغير مشروع تمارسه الفصائل الآسرة بحق شاليط".
هذا الموقف شكل صدمة شديدة لكل فلسطيني مخلص ولكل حر في الأرض ينادي بالحرية والديمقراطية ويؤمن بالعدالة الاجتماعية، لأنه يتناسى عذابات آلاف الأسرى الفلسطينيين ،ويتجاهل ممارسات الاحتلال القمعية بحقهم، ولأن البيان لم يأت على ذكر سياسة العزل الانفرادي ،ولا المنع من الزيارة، ولا حتى تكرار التمديد الإداري للأسرى ،وكلها إجراءات مخالفة لأبسط الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية، واكتفى البيان فقط بالتشدق بضرورة تمتع شاليط بحقه بالزيارة والمعاملة اللائقة، ولا أدري هل لم يسمع مسؤولو المؤسسة - الفلسطينية – بقرار نتنياهو بفرض مزيد من العقوبات على أسرانا؟ أم لم يسمعوا بقرار الإضراب عن الطعام الذي اتخذه الأسرى احتجاجا على تلك العقوبات؟ أم أنهم تجاهلوا ذلك كله مقابل وما تعدهم به الجهات الغربية بالخفاء من دعم مالي لمؤسساتهم أو غير ذلك مما لا نعلمه ولم نسمع به حتى اللحظة؟!
ومما يثير السخرية والاشمئزاز الرسالة التي خطها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لشاليط، وأعرب فيها عن تضامنه معه، وأكد بأن فرنسا التي يحمل جنسيتها لا يمكن أن تنساه وستواصل العمل حتى إطلاق سراحه، رسالة ساركوزي هذه تعبر عن حرصه وعنايته واهتمامه بالمواطن الفرنسي، حتى لو كان مجندًا قاتلاً لا يتورع عن البطش بالأبرياء والأطفال كاشاليط.
ساركوزي تجاهل معاناة شعبنا وعذابات (7000) أسير فلسطيني ،ولم تصمد في ذاكرته المزدحمة بالليالي الحمراء والذكريات الفاجرة مناظر (60) ألف بيت دمرها الاحتلال بعدوانه الأخير على غزة ،بل لا تحتمل نفسه المراهقة أن يستذكر صور أجساد أطفال فلسطين الذين حرقتهم قذائف الفسفور الأبيض المحرم دولياً، وهو بالطبع لا يذكر (1500) شهيد سقطوا بفعل العدوان المذكور، وركز فقط على حق أسير واحد بالحرية رغم أسره من دبابته المقاتلة،إنها حقا المشاعر الإنسانية الكاذبة، والمواقف السياسية المنحازة.
آخر الموجة العارمة من التعاطف والإنسانية الكاذبة، كانت تصريحات مدير اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف "أيف داكور" وتصريحات الناطق باسم البيت الأبيض ،وكذلك بيان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، حيث طالبوا جمعيا بمعرفة المزيد عن أوضاع شاليط وتقديم ما يثبت أنه على قيد الحياة، ونددوا بظروف اعتقاله "غير الإنسانية "على حد زعمهم ،ودعوا لإطلاق سراحه فورا ،كل هذه المواقف والبيانات والرسائل والتصريحات تدعونا للتساؤل هل شاليط إنسان وأسرانا ليسوا كذلك؟ أم أنه الأسير الوحيد في العالم، أم أن العالم لم يعد يرى سوى بعين واحدة وهي عين المصالح الصهيونية، عين السهر على راحة الاحتلال؟!
لسان حال شعبنا وأمتنا اليوم يقول لقد مللنا من النفاق السافر والازدواجية المقيتة للحكومات والمؤسسات والجهات الدولية، وسئمنا الانحياز للعدو الصهيوني ومصالحه، وحان الوقت لتمزيق أقنعة الإنسانية الكاذبة لتظهر الوجوه القبيحة الغربية والأمريكية ومن لف لفها، وعلى الصعيد الداخلي فإنني أرى أنه أصبح من الواجب الآن على الجهات الرسمية أن تبحث هوية المؤسسات التي تساند مواقف الاحتلال، وهل ما زالت فلسطينية أم أنها انسلخت من ثوبها بمناصرتها ودعمها للرؤية الغربية المتساوقة مع مواقف الاحتلال دون قضايانا الوطنية؟!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع