القدس.. صمود مُغيّب!

القدس.. صمود مُغيّب!

لمى خاطر
2011-06-26

جدول عادي بعد عدة أيام وفي الأول من تموز ستحل الذكرى السنوية الأولى على القرار الإسرائيلي القاضي بإبعاد نواب القدس ووزيرها السابق عن مدينتهم وهم محمد أبو طير ومحمد طوطح وأحمد عطون…

بعد عدة أيام، وفي الأول من تموز ستحل الذكرى السنوية الأولى على القرار الإسرائيلي القاضي بإبعاد نواب القدس ووزيرها السابق عن مدينتهم، وهم: محمد أبو طير ومحمد طوطح وأحمد عطون، والوزير السابق خالد أبو عرفة. وهي الذكرى المقترنة باعتصامهم في مقرّ الصليب الأحمر في المدينة منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، باستثناء الشيخ أبو طير الذي تم ترحيله إلى رام الله فور خروجه من السجن.

إن نظرة عابرة للحدث توحي بأنه عادي في جوهره وتفصيلاته، وبأن الاعتصام الدائم في مقرّ مؤسسة دولية لا يكلّف صاحبه الكثير من العناء والمشقة، لكن التفكّر في مغزى صنيع نواب القدس وإصرارهم على عدم الرضوخ للقرار الإسرائيلي، وتوجههم للاعتصام في مقرّ دولي، وتحملهم تبعات المكوث في سجن حقيقي وبعدهم عن أهلهم وبيوتهم يعني الكثير دون شكّ، ويشير قبل كل شيء إلى حقيقة تجسيد الثوابت وعلى رأسها القدس واقعاً وفعلاً وليس مجرد تنظيرات إعلامية.

ولعلّه كان سيبدو مفهوماً أن يضطر النواب ووزير القدس السابق إلى الرضوخ لمقتضيات القرار الإسرائيلي كونه غير قابل للمجابهة من أناس عزّل، وكانوا سيجدون من يلتمس لهم العذر لو أنهم انتقلوا إلى مناطق الضفة أو إحدى البلدات القريبة من القدس، ولو أنهم غلّفوا فعلهم بسيل من التبريرات والإدانات للمسلك الإسرائيلي، لكنهم اتجهوا مباشرة للخيار الأصعب، وآثروا الصمود في مدينتهم - ولو داخل جدران بناية- على التماشي مع قرار الإبعاد والقبول به، وكانوا بكل تأكيد يوقنون أن خيارهم هذا سيكلفهم الكثير، وأنه مجهول النهاية، وأن مآلاته غير معروفة.

هذا الموقف العملي في تجسيد المبادئ لا يكاد يختلف كثيراً عن قرار الصمود على حدود الوطن في تجربة مرج الزهور عام 1992، عندما أبعد الاحتلال الإسرائيلي 415 فلسطينيا من قادة حماس والجهاد الإسلامي، وهي التجربة التي انتهت بانتصار إرادة المبعدين على طغيان الاحتلال، وأرغمته على التراجع عن قراره والسماح بعودتهم إلى ديارهم دون أن يقدموا تنازلاً واحدا.

الفرق في الحالتين لا يتعلق بمدى الإرادة والاستعداد للصمود الذي أبداه المبعدون، بل في حجم التفاعل الشعبي والرسمي، المحلي والخارجي، مع القضيتين، فالأولى (أي تجربة الإبعاد إلى مرج الزهور) شهدت تفاعلاً كبيراً وواسعاً على النطاق الفلسطيني والعربي والعالمي، وحتى داخل أروقة مجلس الأمن، الذي لم يجد مناصاً أمام إصرار المبعدين على البقاء على حدود الوطن من إقرار حقّهم في العودة إلى ديارهم، وهو ما تمّ لاحقا.

أما اليوم، فلا تكاد تجد قضية مبعدي القدس أدنى اهتمام أو اكتراث، بل لا تكاد تحظى بالتغطية الإعلامية المناسبة رغم أن التقنيات الإعلامية قبل عشرين عاماً لا تكاد تساوي شيئاً أمام نظيرتها اليوم، وحيث أصبح الإعلام يمتلك مفتاح تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام، غير أن هناك انتقائية واضحة في التعاطي الإعلامي مع القضايا المهمة والمثيرة، رغم أن الأمر في هذه الحالة متعلق بنواب منتخبين من قبل شعبهم وليس قادة فصائل وأحزاب.

ولن نبالغ لو قلنا إن الإثارة في الحدث حين تصدر عن (إسلامي) أو (إسلاميين) تجابه بالتجاهل أو بالتعاطي الخجول معها، في حين أن أحداثاً أقل قيمة يصنعها آخرون تجد أصداءً مبالغاً فيها، والأمثلة على الصعيد الفلسطيني فقط أكثر من أن تحصى.

وهذا ما يفسر كذلك تعامي السلطة ومن خلفها منظمة التحرير التي تقدم نفسها ممثلة للشعب الفلسطيني عن قضية نواب القدس المهددين بالإبعاد، وغضّها الطرف عن وقع صمودهم وأثره على قضية القدس برمتها، وعلى لغة الثوابت التي لا مكان لها على أجندة المنظمة إلا في النصوص الإنشائية، وإلا فما كان يضيرها لو أنها فعّلت قضيتهم في المحافل الدولية، ولو من باب رفع العتب وتسجيل موقف سياسي يحسب لها؟!

على كل حال، ما زال التاريخ يثبت أن المواقف المفصلية لا يصنعها إلا الرجال المؤمنون بمبادئهم، وأن كسر عنفوان المستحيل لا يكون إلا بفعل السواعد الحرة، أما التائهون والمفلسون فكراً وسلوكاً فقد تجاوزهم التاريخ منذ زمن بعيد. 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026