إصلاح في ظل الجراح ...

إصلاح في ظل الجراح ...

أ. إسماعيل هنية
2004-07-19

إصلاح في ظل الجراح عضو القيادة السياسية لحركة حماس من نافلة القول التحدث عن خطورة الأوضاع الجارية وما صاحبها من تطورات عاشتها الساحة في قطاع غزة قد شكلت تجاذبات سياسية وأمنية تعدت…

إصلاح في ظل الجراح

عضو القيادة السياسية لحركة حماس

من نافلة القول التحدث عن خطورة الأوضاع الجارية ، وما صاحبها من تطورات عاشتها الساحة في قطاع غزة قد شكلت تجاذبات سياسية وأمنية تعدت الخلاف الطبيعي داخل الإطار الواحد إلى مساس بمنظومة المفاهيم التي رسختها الانتفاضة المباركة ، وتعارفت عليها ساحتنا الفلسطينية حتى في ظل الخلاف المحتدم .

الأمر الذي يحملنا إلى تعميق النظر في المسببات والمؤهلات لهذا الجو المشحون والمضطرب ، والذي ينذر بعواقب خطيرة ليس فقط على الأطراف المتجاذبة عبر هذا العنف الجسدي والتنظيمي ، بل على المجتمع الفلسطيني برمته فالنار حين تشتعل يمكن أن تصيب أطرافاً عديدة حتى ولو لم يكن لها علاقة بإشعالها .

وقد كتب كثيرون وتحدث كثيرون يطالبون بوجوب إعادة النظر والمراجعة العميقة لواقعنا الفلسطيني وخصوصاً لمؤسسات السلطة وعملها وسياساتها ، وما يتفرع عنها من أجهزة ودوائر ، وبضرورة الوقوف جدياً أمام مظاهر الفساد الإداري والمالي والتعدي على الحرمات ، غير أن شيئاً من ذلك لم يحدث وجرى التعامل مع هذه النداءات على أنها مسعى لتغيير الأحصنة خلال المعركة ، وحرف المسار عن طبيعته وظل التأكيد على وحدانية السلطة ووجوب الالتزام بالاتفاقات التي وقعت عليها ، وتقديس المناصب والمسئولين ، واحاطتهم بطبقة من العاملين على تزين المظهر والاهتمام بالقشور ، لغة التخاطب للمسئولين مع القوى والشرائح والشخصيات الوازنة في المجتمع الفلسطيني إلى درجة بدت فيها درجة عالية من الاستخفاف بهذا الشعب ومطالبه واعتباره عدداً من اللاعبين الذين يجلسون على دكة الاحتياط ، لأن اللاعبين الرئيسين هم الذين يتقاذفون المصالح ويتبادلون المواقع داخل الملعب المسيّج بأوسلو وصانعيه .

ونهج الفساد مكروه بمقتض الفطرة ، مذموم بحكم الدين ، ومرفوض في ثقافة وطن كفلسطين وهو أكثر ذماً في عصر توحد فيه الناس في خندق المقاومة ثم ازدادوا تقارباً مع شدة المعاناة وغضباً على هذا الواقع الآسن مع ارتفاع فاتورة التضحيات الكبيرة التي قدمت على مسرح الانتفاضة المجيدة .

ونقول هنا من موقع المسئولية من الحق أن تراجع السلطة ومؤسساتها مسارها ومواقفها ، على ضوء المستجدات التي شهدتها الساحة الفلسطينية والتغيرات التي أوجدت فضاءات مختلفة عن حقبة أوسلو من حيث مكونات المشهد الفلسطيني بكامله (السلطة- القوى- الجماهير- الخيارات- والنفسيات والذهنيات )

ولسنا هنا بصدد الوقوف في موقع القضاة لنحاكم الأشخاص فهؤلاء نكلهم  إلى الله سبحانه ، ولكن الناس تتطير من عناوين ترسخت في الأذهان لأنها سبحت مع تيارات وافدة في حقبة سابقة ، وعاندت تيار الفطرة المرتكز على الثوابت النقية والمبادئ الطاهرة ، والكلمة الصادقة ولكنا نحاكم نهجاً سلك سبيلاً غير سبيل المؤمنين فاتخذ القائمون عليه فلسفة ( تجفيف المنابع ) أي منابع القيم السياسية والاجتماعية وحذفت في فترة ما وبعضها – لا زال – كل ما يغرس معاني القوة والبطولة والغيرة على الحق ، والجهاد في سبيل تحرير الوطن ، وحاربت كل دعوة صادقة لاحياء ثقافة الإصلاح والنقاء واحترام الناس ، وشجعت الخرافة السياسية التي اعتمدت حسن النية في العدو ، والأضرحة التي تزينت بهيبة الاتفاقات والتعاون معه ، وحملت السوط وجلدت به ظهور العباد الذين قالوا ربنا الله وحملوا سلاح الكرامة للدفاع عن الأوطان وثوابت الأمة .

ولست هنا أيضاً ممن يطرح السؤال ماذا لو أن حماس أو غيرها من القوى قامت بما قامت به بعض المجموعات الملثمة من خطف وترويع – بغض النظر عن المبررات – هل ستغيب حينها كما هو حاصل الأصوات التي تملأ الأفق بسيادة القانون والحفاظ على النظام العام ، وتركب صهوة الألفاظ والمعاني التي تخون والتي تعتبر أن ما حصل خروج على الإجماع الوطني وانه عبث في وحدة الوطن والمواطنين وان من يقف وراءها يخطط مع ساحات بعيدة عن فلسطين ، بشكل ينم أن أولئك لم يكن يهمهم  أمر الوطن ولا أهله ، بقدر ما كانت حريصة على تركيز الكراسي والهيئات التي امتدت بين جنباتها البسط الحمراء .

إن العنوان الرئيس لهذه التفاعلات هو التغيير كمطلب شعبي وفصائلي ، على الرغم من أن الظرف الموضوعي للتغيير في هذا الوقت أو في هذه (الهوجة) محفوف بخطرين

الأول خطر الإذعان للضغوط الأمريكية والصهيونية المدججة بالسلاح والمال والدهاء والتخطيط فيستجيب منا من يستجيب رغباً ورهباً ، ويصنع لنا (إصلاحاً أمريكياً) لا يهمه إرضاء الله تم الشعب بقدر ما يهمه إرضاء ( العم سام ) .

الثاني خطر تمكين تيارات معينة كي تساهم في توجيه المرحلة القادمة لشعبنا بترويج بضاعة مستوردة ومفاهيم ملتوية تحت عنوان الإصلاح والتغيير .

فالواقع أن شعبنا يخشى من تيارين

الأول تيار الفساد الذي يريد أن يضيق مساحة الوطن ، ويعّسر على الناس ، ويسلبهم الحق في الحياة النظيفة .

الثاني تيار الانفلات الذي يسعى إلى التغيير بشكل فيه تعدٍ على أساليب التغيير الصحيحة والسليمة .

لهذا كان على العقلاء و من يحملون هم السلامة الوطنية وخصوصاً قادة القوى والشرائح الاجتماعية أن يقولوا كلمتهم ، ويبينوا وجهتهم ، ويشرحوا رسالتهم ، في خضم هذه الاضطرابات المتلاحقة التي تذر الحليم حيران ، وفي هذا الجو الرهيب الذي يحاط فيه بشعبنا وقضيتنا من كل جانب ، وعليهم أن يعضوا بالنواجذ على الحق الذي ائتمنوا عليه معتصمين بحبل الله المتين ، مرسخين الأسس الوطنية الراجحة في ضرورة إصلاح الخلل وجماعية القيادة وتكريس المرجعيات الجامعة ، وحماية الانتفاضة من أن يعتريها غبار الاضطراب الذي يجعل من الانتفاضة وعاءً يبتلع أبنائه.

وكنت قد كتبت مقالاً بعنوان " المناعة الوطنية " فيه رؤية حول الأسس والمبادئ والأولويات التي تشكل مساهمة في بناء سفينة النجاة في بحر لجي يغشاه موج من فوقه أمواج .  

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026