"والله اليوم راجعين"

مصطفى الصواف
2011-05-17

نهضت مسرعة مع أول شعاع للشمس متجهة نحو أوتاد خيمتها التي اعتلاها القدم وهي تصيح الله أكبر راجعين الله أكبر راجعين والابتسامة تعلو وجهها المعفر بالتراب ثم كانت زغرودة مدوية أيقظت…

نهضت مسرعة مع أول شعاع للشمس متجهة نحو أوتاد خيمتها التي اعتلاها القدم، وهي تصيح الله أكبر راجعين، الله أكبر راجعين، والابتسامة تعلو وجهها المعفر بالتراب، ثم كانت زغرودة مدوية أيقظت أهل المخيم، وطل كل واحد منهم تجاه الزغاريد وإذا بها من باب خيمة رسمية أم العبد.

رسمية، ما الذي تفعله؟ سأل الجار جاره، تهدم خيمتها، الهمس في جنبات المخيم أصبح كدوي النحل ، رسمية أم العبد تهدم خيمتها، أجنت هي؟ فلا بيت لها إلا الخيمة والدار المقام منذ الهجرة، يا الله قالتها أم خليل، لم تبق أوتاد للخيمة، الهواء يلعب بعمودها لولا انغراسه على مدى تلك السنوات الغابرة لاقتلعها الريح، نظر أبو محمود من بعيد، وقال إنها تريد أن تسقط عمود الخيمة، استر يارب، استر يارب.

صرخ أبو محمود، حاجة رسمية، حاجة رسمية، يا أم العبد، تضحك رسمية، ثم سقط العمود، أسرعت ولفت الخيمة على عمودها وبما حوت، ولم يبق بحوزتها سوى كيس معلق في رقبتها ومفاتيح دارها في المجدل، جرت خيمتها إلى حفرة كانت بالأمس قد حفرتها، بجوار الخيمة لم يفهم سرها من مر بها، وعندما كانت تسأل عن سر الحفرة كانت تضحك، وتقول إنها القبر، إنها المدفن، ظن الناس في المخيم أن رسمية أم العبد تهذي بفعل كبر السن، ولكنهم أدركوا سر الحفرة وهي تدفن خيمتها.

وما أن انتهت من دفن الخيمة، كان أبو محمود قد وصل، وأخذ يقول : يا رسمية، يا أم العبد وحدي الله ، وحدي الله، فقالت مبتسمة هو أنا موحدة مين يا أبو محمود، أنا موحدة الله ، ولا بتفكر إني خرفنت، لا أنا بكامل عقلي، أنتم ما شفتم إلي أنا شفته؟ ، يلا شدوا حيلكم أنا راجعة، أنتم ما بدكم ترجعوا، استغرب أبو محمود وقال: راجعة ، وين العزم يا أم العبد ، شو يا أبو محمود خسارة أنت نسيت، أو لسه ما فهمت، وأنا بقول عنك كبيرنا والفاهم فينا، اليوم ، شو اليوم يا أم العبد ، يا أبو محمود اليوم يوم العودة يا خوي، وأنا دفنت الخيمة مش راجعة لها، وأنا ذاهبة عالمجدل ، وهاي مفتاحي وكوشاني، بـ أحملهم معي ، ما بيرد رأسي إلا الدار والدوار، حقي الذي انتظرته طويلا، اليوم ما في حديث عن النكبة، اليوم يوم العودة، راجعين، ها فهمت يا أبو محمود.

لفت أبو محمود رأسه وصمت قليلا، ثم استدرك نفسه، وقال بصوت عال يا أهل المخيم ، يا ربعي وأهلي وأحبتي، اليوم رسمية أم العبد راجعة، عالمجدل، وأنا راجع على يافا، وكلنا لازم نقوم بما قامت به رسمية.

استمع المخيم إلى ما قاله أبو محمود، وهرول أبو محمود نحو خيمته وهرول من خلفه أهل المخيم، وانشغلوا في حفر الحفر وهدم الخيام وما أن انتهوا من ذلك حتى هتفوا بصوت واحد، راجعين لك يا مجدل، راجعين لك يا يافا ، راجعين يا بيت دراس، راجعين لفلسطين لكل فلسطين.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026