أمن الاحتلال بين المقاومة وإنجاز النصر

أمن الاحتلال بين المقاومة وإنجاز النصر

د. محمود العجرمي
2011-05-17

جدول عادي نلحظ أن قادة إسرائيل يعلون وتيرة تصريحاتهم عن الخطر المحدق بكيانهم وعن التهديدات الاستراتيجية للأمن الإسرائيلي يرجعون ذلك وهم على حق إلى ما تشهده المقاومة الفلسطينية…

نلحظ أن قادة (إسرائيل)، يُعلون وتيرة تصريحاتهم عن الخطر المحدق بكيانهم، وعن التهديدات الاستراتيجية للأمن الإسرائيلي.

يرجعون ذلك ـ وهم على حق ـ إلى ما تشهده المقاومة الفلسطينية، وفي القلب منها الكفاح المسلح ، من تطور نوعي في العدة و والعدد.

كما شكلت العمليات الاستشهادية تحولاً بارزاً على هذا الطريق ، وخلق حالة من انعدام الأمن والاستقرار على الجبهة الداخلية.

ثم انتقل ذلك، إلى حدود القتال المرن والمتحرك والصمود في الميدان، وإيقاع الخسائر النوعية، وإلى إفشال أهدافه السياسية كاملة، تلك التي وضْعها مسؤولية العسكريين والسياسيين. وتضيف دولة الاحتلال كذلك، كمهددات إستراتيجيه، عامل الثورات العربية التي أنجبت وستنجب نظماً وطنية مستقلة، تأخذ بعين الاعتبار أن (إسرائيل) دولة معادية، ولهذا أسبابه الموضوعية المعروفة للجميع.

ويقتضي ذلك بالضرورة ، العمل الحثيث الشعبي ، والرسمي العربي في مرحلة لاحقة ، لإسناد مقاومة الشعب الفلسطيني ، وهذا ما نراه بأم العين يجري فصولاً ، على غير جبهة عربية ، فتصبح دولة الاحتلال اليوم محاطة من الجبهات جميعاً بمئات آلاف الزاحفين في مسيرات العودة الهادرة نحو الوطن المحتل.

وترى (إسرائيل) كذلك ، وكما حدده مؤتمر هرتسيليا، أن وصول حركة حماس إلى السلطة كنظام إسلامي ، وانتشار ذلك الأنموذج عربياً ، أحد أهم هذه التهديدات الاستراتيجية ، إلى جانب نجاح البرنامج النووي الإيراني ، التطور التكنولوجي للصواريخ الباليستية، ما يجعل كل زوايا فلسطين المحتلة تحت النار .

كما يشير قادة دولة العدو، إلى أنه إذا أضيف إلى ما تقدم تنشيط جبهات المواجهة ، في لبنان "حزب الله" ، وفي سوريا ، الطامة الكبرى على الوجود المادي لهذا الكيان! إن من يتابع عن كثب ، هذه المعطيات ، يدرك أن معظمها متحقق، وأن طريق إنجاز ما تبقى منها بدأ في التبلور ، ونرى إرهاصاته اليوم ماثلة للعيان.

ويمكن أن نتتبع كذلك، السُّعار الذي ينتاب (إسرائيل) حين تتحدث عن خطر القنبلة الديموغرافية، وهي الأزمة الداخلية الأكبر ، تلك التي تتخلل ثنايا النسيج الاجتماعي ، فتلغي خصوصيته المدَّعاه، ونقاءه المُزَّور، وتبقى شاهداً فاعلاً على الجريمة وفي قلب مسرحها، وعاملاً مفصلياً في عقاب الجلاد كما يستحق!

أما استراتيجية (إسرائيل) "في الدفاع" عن أمنها القومي، فقاعدتها الحرب الاستباقية، وتستند إلى نظرية الردع الحاسم والسريع وبزمن قصير جداً دفاعاً عن حدودها! و"الحدود الآمنة" لدولة العدو، متحركة، إلى حيث يصل حذاء الجندي الإسرائيلي !

ولِأن هناك غيابا كاملاً للعمق الاستراتيجي، يرى مخططو الأمن الإسرائيلي ، بضرورة نقل المعركة إلى أرض "العدو"، في محاولة لخلق عمق استراتيجي مصطنع ، يقي سكانها ومواقعها الحيوية من أي خطر . لقد اعتمدت العصابات الصهيونية، وفقاً للميثولوجيا الدينية اليهودية للفكر الصهيوني على الاستيطان، الذي يُعتبر التطبيق العملي لتلك الأيدولوجيا ، والتي نجحت من خلاله في تأسيس هذا الكيان الغاصب.

يتبين من ذلك أن مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي اجتاز أربع مراحل: مرحلة بناء القاعدة الاستيطانية، وبناء الدولة على هذه القاعدة، ومن ثم التوسع، وفي النهاية محاولات الهيمنة على الجوار العربي.

 

لقد مرت فلسطين المحتلة، ودول المنطقة في مراحل مختلفة، وتحولت وتنوعت من خلالها نماذج الصراع، إن كان فيما يخص العمل الفلسطيني المقاوم، أو طبيعة النظام العربي وأسلوب تعاطيه مع القضية المركزية "احتلال فلسطين" على المستويين الشعبي والرسمي، ودون الدخول في تفاصيل محطات كثيرة ومعقدة، فإن تحولاً جوهرياً طرأ على بيئة الصراع

العربي/الإسرائيلي استراتيجياً.

بداية إنكفأ جزء هام من العمق الاستراتيجي المصطنع باحتلال الأرض العربية، وأصبح غير كاف ، بل وغير ممكن لأسباب عدة ، إلى جانب إمكانية وصول الصواريخ إلى الخاصرة الإسرائيلية الطرية، بل انفتح ذلك على مصراعيه لضرب أي موقع داخل دولة العدو .

لقد جُرِّبَ ذلك خلال حروب العقدين الماضيين، كما لم يعد نقل المعركة خارج المساحة الضحلة والهشة لدولة الاحتلال ممكناً، أو سهلاً على أي حال ، كما أثبتت المعارك الأخيرة في لبنان وفلسطين المحتلة (قطاع غزة) خلال الزمن القريب الماضي، أن حسم المعركة خلال أيام أو أشهر بات خلفنا كذلك. إن بدء تآكل قوة الردع للجيش "المعجزة"!، أصبحت حقيقة، ورغم أنه لا يزال ممكناً على(إسرائيل) البدء بالمعركة، ولكن إنهاءها بالحسم، أو حجم تمدد مسرحها ونتائجها أيضاً، أصبح قراراً يفرضه الشركاء الآخرون، ورقماً صعباً لا يمكن (لإسرائيل) وحدها حسمه! ومع التطورات الجارية على طول العالم العربي، فإن الشعوب العربية تعود لِأخذ زمام المبادرة، ومغادرة مدارات التردد، وقد أخذت العبر، واعتمدت على طاقاتها، تلك المقتدرة الثريّة لمجابهة عدو بهذه الغطرسة المأفونة.

(إسرائيل) بذلك، في مأزق حقيقي، وعلى حركة المقاومة الفلسطينية بفصائلها، التعاطي الفعّال مع هذا الواقع، الجديد والإيجابي، على المستوى الوطني بالتوجه الجاد لبناء مشروع الوحدة الوطنية، ودفع كل استحقاقاته وتعزيز أواصر الأخوة، والتساند الكفاحي مع العمق العربي، تلك التي دفَعَتْ "بيني غانتس" رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال ، للرؤية بأن دولة الاحتلال ستضطر لمواجهة حروب على كل الجبهات.

الشعوب العربية تتحرك لبناء نظمها الديمقراطية، وتتحرك نحو فلسطين ، والشعب الفلسطيني يبدأ خطواته المجيدة نحو تكاتف كل القوى، ومعا في مسيرة موحدة لإنجاز الانتصار.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026