جدول عادي ستزحف الجماهير الثائرة في مصر العروبة ولبنان البطولة والتحرير و كل الجهات إلى حدود فلسطين الحبيبة وستلتقي بالأشقاء الثائرين المصممين على الصمود والتحدي لتشكل حشدا من…
ستزحف الجماهير الثائرة في مصر العروبة ولبنان البطولة والتحرير و كل الجهات إلى حدود فلسطين الحبيبة وستلتقي بالأشقاء الثائرين المصممين على الصمود والتحدي لتشكل حشداً من شعب عربي واحد يأبى الذل لمقدساته وإنسانه وترابه، تؤازره في ذلك كل الشعوب العربية، لتنتج مشهداً يوحي بقرب الخلاص من صهيون وأزلامه بعد الخلاص من نماريد الوطن وأعوانهم الذين حموا العدو وشكلوا له الدرع الواقي من غضب الجماهير على مر العقود الماضية ، فوفروا له الحدود الآمنة وحاصروا من أجله المقاومة ،بل وأمدوه بالوقود اللازم لقتل شعوبنا .
ذكرى مختلفة للنكبة تمر هذا العام حاملة معها بشريات شق الدرب إلى قلب فلسطين ، وأحضان القدس ومحراب الأقصى . كنا ننتظر بأمل وتلهف يوم انعتاق الأمة ، فاهدتنا تونس الخضراء الرقيقة الزاهية بلطف شعبها ، وسلاسة طبع أبنائها ،وفتنة سهولها وخضارها، وعليل نسيمها وعبيرها، أهدتنا البشرى بأن كانت هي الشقيقة السباقة للخروج من نير القهر ، وطغيان النمرود وزبانيته، وإن كانت القاطرة الأولى في قطار وطننا الأكبر التي تخرج من نفق القهر والاستعباد، فعلتها بكل عزة وإباء مقدمة في سبيل تلك التضحيات الجسام لتنير الطريق لكل الأشقاء الراغبين في الوصول إلى محطة الكرامة الإنسانية.
فرحتنا غمرت ميادين قلوبنا وساحات عقولنا ، فالأمل نهض من جديد وأوطان عروبتنا لا بد أن تسير على نفس السكة ، لابد أن تستوعب الدرس وتخوض غمار الرحلة ذاتها ، رحلة الانعتاق من النمرود ، فكل له نمروده ، ولكل نمرود عصبته . اتجهت العيون ، كل عيون أبناء فلسطين صوب الشقيقة الكبرى وكانت تلك العيون محقة فمصر هي الأمل الأكبر ، والسند المباشر الذي ترتكز إليه فلسطين، ليس الآن فقط وإنما على مدى التاريخ ، ما انفصلت يوما مصر عن فلسطين التي شكلت بوابتها الشرقية وحارسة أمنها القومي ، عاشتا دوماً نفس الهم والألم والأمل والتضحيات ، فأخوة الدم لا انفصام لها .
إن عبق الدماء الطاهرة لكل شهداء أمتنا وعلى رأسهم أبناء مصر العظيمة مازال ينبعث من تراب فلسطين ،ومازالت أضرحة أولئك الشهداء تمثل تذكاراً عطراً لما بذلوه من مهج غالية من أجل الذود عنها وحمايتها من الغاصبين . لم نكن نشك يوما أن شعبنا الأبي في مصر سيكسر قيده لينطلق معانقاً أشقاءه في كل الوطن العربي حيث الوجهة فلسطين ، وأنه سيتخطى تلك المرحلة البغيضة التي أدت إلى انحدار العرب جميعا وانهدار كرامتهم وتمزق قناع عزتهم. لقد كانت مرحلة عابرة ، لم تكن حقيقية الوجود أو واقعية الفعل، أربعون عاما ضبابية لا يجوز تسجيلها أبدا ضمن تاريخ مصر الناصع ، كانت مرحلة تيه فرضها النمرود وعصبته ، اختزلوا فيها مهد الحضارة الكونية ورائدة الإلهام البشري عبر التاريخ ، وقزموا أم العرب وقائدتهم فجعلوها بمصاف الدويلات التابعة الصغرى التي لا تمتلك زمام أمرها بعد أن كانت تمتلك المكانة الأعلى والكلمة الفصل في كل محفل.
قائدة ومؤسسة كتلة عدم الانحياز جعلوها منحازة ضد مصالح أمتها وشعبها الأبي ، انتهكوا سمعتها وكرامة أبنائها فأصبحت بلا قيمة أو حساب حتى بين الجيران الأفارقة الذين كانوا يعتبرونها مصدر إلهام وثورة ، وكانوا يرون فيها حلف قوة ومنعة وعزة . أضحت مصر مهددة في حياتها وفي نيلها، رمز ديمومتها وبقائها . لم يكتفوا بهذا بل باعوها قطعا في مزادات العرض ووهبوا عزتها وثرواتها الاستراتيجية لأعداء الأمة بلا مقابل يذكر إلا المصالح الشخصية الضيقة وتضخم الحسابات البنكية للنمرود وعصبته . لقد حرموا مصر من عظمتها ومن أمتها وحرموا إخوة مصر من حنوها و ريادتها.
ميراث ثلاث ثورات شعبية هائلة وشاملة منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر كان العلامة الفارقة والصبغة المميزة لشعب مصر العربي الأصيل بذاته، الطيب بصفاته ،الحليم المبدع بأخلاقه الرائعة ، الحي في زمن الموت،الصبور على اللأواء حتى حدود الحيرة والتساؤل متى ينتفض ويثور ؟ فثورته كفيلة بأن تقلب موازين الحلم بمضي نكبتنا وقدوم نكبة صهيون وقومه.
لا يستطيع أحد من أبناء فلسطين أن ينكر ألم النكبة والتشتت والضياع على مر العقود الماضية، لكن ذكراها هذه المرة مغايرة لكل مرة، حيث تبدل الحزن والألم إلى فرحتين وأمل ، فرحة بنهوض الأمة وتحررها وانطلاقها هادرة نحو فلسطين ، وفرحة أخرى بإنهاء الانقسام بين أبناء شعبنا والتئام الشمل من جديد، وأمل باقتراب موعد تحرير ترابنا وانتهاء نكبتنا.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع