حياة البرزخ لأبي البراء

الأسير القائد حسن سلامة
2011-05-10

جدول عادي حياته في قبور العزل أبو البراء كنيته التي يعرف بها هو محمود عيسى علم من أعلام فلسطين أسير أصبح له خلف القضبان سنوات تجاوزت الثمانية عشر سنة معظمها معزول كقمر غيبته أقسام…

حياته في قبور العزل،،

أبو البراء كنيته التي يعرف بها ،،هو محمود عيسى علم من أعلام فلسطين أسير أصبح له خلف القضبان سنوات تجاوزت الثمانية عشر سنة معظمها معزول كقمر غيبته أقسام العزل الانفرادي "أقسام حياة البرزخ" لكنه كقمر ما غاب أبدا،، وضعوه في زنزانة"قبر" صغيرة مساحتها جدا مغلقة تماما الشمس لا تعرف لها طريق وإن صادفت لا تستطيع الدخول ،،زنازين يجد الهواء صعوبة بالدخول إليها زنزانة نعيش فيها كل حياتنا ،،هي مكان للنوم وللاستحمام ولقضاء الحاجة كل شيء تقومون به في حياتكم اليومية نقوم به في هذه المساحة المحدودة بما فيها من أغراض تشاركنا هذا الخير الذي لا يستطيع الشخص بمفرده أن يتحرك فيه بسهولة دون أن يتأذى لذلك يفضل أحدنا أن يبقى جالسا إلا للضرورة ،، زنازين صنعت لقتل كل شيء له علاقة بالحياة فينا ،،نمكث فيها لا نغادرها ثلاثا وعشرين ساعة مع كل ما نتعرض له من قمع وتفتيش وإجراءات ومع كل ما تحتويه الزنازين من حشرات أقلها الصراصير بأنواعها وأكبرها الجرذان التي تخرج من الدورة ليلا تعيث فسادا في الزنزانة،،"وحتى أكون صادقا في الفرات الأخيرة ونتيجة الضغوطات من قبل السجناء الجنائيين اليهود عبر المحاكم أدخلوا تحسينات لكنها لا تقدم ولا تؤخر ولا تغير كثيرا من واقع هذه الأقسام"

صداقة وأخوة وحدتها المحنة،،

وبداخل هذه الزنازين تنقل أبو البراء وهناك التقيت به وبدأت أخوتنا وصداقتنا إن كان يسمح لي بقول ذلك،،ورغم أنني لم أتشرف بالعيش معه في نفس الزنزانة،،إلا أنه كان أغلب سنواته الاثني عشر التي عاشها على مرحلتين في هذه الأقسام التي يحب أن يسميها أبو البراء"حياة البرزخ" وهنا لا أريد الحديث عن محمود عيسى كمناضل مجاهد وكقائد من قادة العمل الجهادي في الخارج وحتى داخل سجنه يعتبر أبو البراء أحد قادة الحركة الأسيرة فحياته وجهاده أكبر من أن يجهله أحد وقد تحدث الكثير عن هذا الجانب ،،لكن هنا أريد أن أتحدث عن محمود عيسى الإنسان ،،الصديق ،،الأخ،،من باب الوفاء وعملا بما قاله الراشد "الحر من راعى وداد لحظة وانتمى لمن أفاده لفظة" والود الذي جمعنا مع أبو البراء كبير جدا واللفظات التي تعلمتها منه أيضا كثيرة،،بصدق وهو يعلم بذلك كأن محمود أخي الكبير في هذه الزنازين كنت ألجأ إليه في كل شيء أحدثه عن فرحي فيفرح معي ويسمع لأحزاني فأجد عنده السلوى فيصبرني على واقع نعيشه معا حتى أنه أصبح بيننا لغة مشتركة للتفاهم وطريقة للمناداة على بعض مميزة،،

هكذا يراه إخوانه ،،

في أولى سنوات العزل كان يسمع لنا بنقل الأغراض بين زنازين الأسرى وكانت هذه متعة تخفف عنا قليلا حينما تشعر أنك أرسلت شيئا لأخيك تشعر بسعادة ليس لها حدود وهذا ما كان يميز أبو البراء وهذه كانت سعادته فلقد كان أبو البراء طباخ القسم فالكل يعتمد عليه وينتظر وصول صحنه،،كثيرا ما كنا نقف على شبابيك الزنازين ونتحدث ويشاركونا الأخوة المعزولين الحديث والضحك حتى أننا كنا نجري مسابقات ثقافية فيما بيننا خلال هذه المحادثات التي تخفف عنا كثيرا،،بل كنا نتعلم مادة النحو على حسب ما هو متوفر عندنا من الكتب وكان أبو البراء مدرس النحو عندنا،،مواجهتنا مع الإدارة لا تنتهي وكان أبو البراء دائما يتصدر هذه الأمور ،،محمود عيسى رغم واقعه المؤلم لم يمنعه ذلك من المحافظة على الرياضة والخروج للفورة يوميا حتى ولو صباحا،،شخص واقعي جدا وخاصة في نظرته للأشياء كثيرا ما اعتمدت عليه وساعدني في إدخال الملابس والكتب التي لم أكن أستطع إدخالها لأنني من غزة،، لا يبخل على أحد بأي مساعدة،،فقد كلن يجيد اللغة العبرية لذلك كان مسئولا  عن كتابة ما نحتاجه من طلبات سواء لإدارة السجن أو الخروج للمحكمة ،،كريما جدا حتى ولو على حساب نفسه وكثيرا هي المساعدات التي وصلتنا من أخينا أبو البراء حتى دون أن نطلب ذلك ،،شخصيا كنت كثيرا ما أستشيره في امور وأطلب مساعدته في حل مشاكل تحدث مع إدارة السجن أو بين بعض الإخوة ،،كان أبو البراء عنواننا كمعزولين في الحديث مع الإدارة أغلب الأوقات،، كان صديقا لنا جميعا ،،عرفته شخصا تقيا محافظا على عبادته حفاظا لكتاب الله مثقفا جدا يستغل وقته بالقراءة وكتابة القصص الجميلة والكتب التي طبع بعضها،،كان أبو البراء حلاق القسم في العزل ففي فترة من الفترات وعندما توافقنا كمعزولين على خروج حلاق ليحلق لنا كان هو عنواننا ومازالت شوارعه شاخصة في رؤوسنا، كنا نستغل لحظات الخروج إليه للحديث معه وينسى أبو البراء أنه يحلق فيقع المحذور،،كثيرة هي القصص الجميلة والمواقف الرائعة والإنسانية التي عشناها مع أبو البراء داخل هذه الزنازين ،،وأجمل تلك القصص التي أختم بها حديثي عن أخي الحبيب أبو البراء في إحدى السنوات "فسنوات العزل طويلة" تم إغلاق أرقام حسابات الكنتين التي يدفع عليها ما يلزمنا من مال من الأهل كان حينها معي في الزنزانة الأخ محمد جابر عبده وبجوارنا أبو البراء الذي اعتمدنا عليه في تهريب ما نحتاجه من أغراض وخاصة التموينية واعتمدنا ساحة الفورة وسيلة لذلك فكان يخرج بجوارنا بالساحة "ساحة طويلة مقسومة قسمين بينهما جدار وفي أعلى الجدار نافذة " فمن عن طريق هذه النافذة يهرب ما نحتاجه وكان يجهز لنا ما نريد من شاي ومواد أخرى ويضعهم بأكياس نايلون ولأجل التفتيش يقوم بتخبئتها حسب ما يستطيع داخل البنطال أو بحذاء الرياضة ،،وعندما أعود لزنزانتي أفرغ المواد حسب كيفية التهريب فيوجد علبة لما يهرب بواسطة البنطال وأخرى للحذاء فكنت حينما أود عمل شاي لنشربه أخاطب أخي محمد بالزنزانة أتود شرب شاي بنكهة البنطال أو حذاء الرياضة،،عندما علم أبو البراء والأسرى المعزولين ذلك اعتبروها نكتة وأصبحنا نستخدم هذه المصطلحات في حياتنا،،

هذه كانت حياته وهذه نظرة بسيطة على حياة محمود عيسى الإنسان الذي غاب كقمر وراء جدران هذه الأقسام ،،أقسام العزل،،أو أقسام البرزخ،،وداخل هذه الزنازين عاش أبو البراء هو وإخوانه وما زالوا حتى كتابة هذه الكلمات ما لانت لهم قناة وما استطاعت هذه الأقسام أن تنال من أرواحهم وإنسانيتهم وبالأخص هذا الجبل الشامخ محمود عيسى أبو البراء ،،فرج الله كربه وكرب جميع إخوانه وهذا غيض من فيض إنسانية هذا الصديق .. 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026