جدول عادي لطالما كنت أرى أن الحرب التي تدار على المساجد وتعطل رسالتها في الضفة ستأتي بنتائج معاكسة لإرادة سلطة فتح ووزير أوقافها محمود الهباش الذي بز أكثر رموز القمع العربية تفننا…
لطالما كنت أرى أن الحرب التي تدار على المساجد وتعطّل رسالتها في الضفة، ستأتي بنتائج معاكسة لإرادة سلطة فتح ووزير أوقافها محمود الهباش، الذي بزّ أكثر رموز القمع العربية (تفننا) في تجفيف منابع التدين ومحاصرتها، وتسخيرها لخدمة أجندة قيادة فتح، وتبرير سقطاتها!
لكن وزير الأوقاف المذكور ما زال كما يبدو عاجزاً عن النظر في مرآة مواقفه وسياساته، ليرى انعكاس وعي الناس فيها، إذ يبدو أن استقواءه بقبضة الأجهزة الأمنية حين يجتمع بالخطباء والأئمة ليشرح لهم أصول سياساته الجديدة ويلزمهم بها، قد خلق لديه نوعاً من الانتفاش الشعوري، فظنّ أن إحكام السيطرة على مساجد الضفة قد استقامت له بدليل سعي الأئمة للتطبيق الحرفي لسياساته؛ خوفاً على أرزاقهم التي يهددهم دائماً بقطعها!
الطرفة التي يبدو أن الهباش لم ينتبه لها بعد أنه لا يفوّت أي لقاء إعلامي أو عام؛ ليؤكد فيه أنه لن يسمح باستخدام المساجد لأغراض الدعاية السياسية أو التحريض، فيما هو غارق في كلا الأمرين، فمن يقدّر له أن يستمع لخطبه يوم الجمعة مصورة عبر فضائية فتح، أو مباشرة في أحد المساجد التي يبتلى المصلّون فيها إماماً وواعظاً، سيظل طيلة مدة الخطبة رهينة لوصلة ردح مقيتة تتوزع ما بين ذمّ حماس وشتمها، واستقطاب الولاء لمحمود عباس وتلميع مواقفه وإنزاله منزلة (ولاة الأمر)!
العجيب أن مثل هذه الرداءة في الأداء أو السياسات تجاه المساجد تحدث في زمن التقدم التقني الهائل، الذي بات معه متاحاً لكلّ فرد أن يعرف أقدار الآخرين ومنازلهم، وأن يميز الخبيث من الطيّب، وأن يكتشف ما وراء السياسات الرعناء والغبية لأي نظام حاكم له، والأعجب أن وزير الأوقاف ذاك لم يستوعب بعد أنه أكثر رسل ومنظري السلطة التي يمثلها تنفيراً، وأن كل وصلاته (الوعظية) لا تجاوز الأذن الخارجية للمستمعين...
أما عقولهم وضمائرهم فهي دون شك تقول ما لو سمعه الوزير لخجل من اعتلاء المنابر، فضلاً عن التهديد والوعيد للأئمة والوعاظ، ومحاولة إرغامهم على تحويل المساجد إلى ثكنات أمنية لا تطلق في رحابها كلمة تخالف المزاج السلطوي المنحدر، وإلزامهم بعدم السماح لأي داعية غير معيّن من قبله بإلقاء أية موعظة والتحدث داخل المسجد!
لا شك أن سرّ تمسّك عباس بالهباش وزيراً للأوقاف، رغم انعدام شعبيته يعود لاعتقاد الأول أن الثاني خبير بما فيه الكفاية بحماس، وكان مطلعاً على مفاتيح صعودها شعبياً، وهو بالتالي الأقدر على محاربتها انطلاقاً من مكمن نجاحها، وهو المسجد، لكن الاثنين يجهلان تماماً حقيقة العلاقة بين حماس والمسجد، وكيف صاغت الحركة تاريخها انطلاقاً منه؟، وكيف أنها أكسبته زخماً وحضوراً في حياة الناس؟
الافتراض أن عقول الناس ضيقة وساذجة لدرجة تصدق فيها كل كلمة تقال على المنابر هو افتراض خطأ وسقيم، لأن الناس لا تعطي أي إمام أو قائد ديني "شيكاً على بياض"، إلا إذا خبرت أخلاقه وفعله وجدارته بما يدعو إليه من أفكار، ولذلك فلا أسهل من تمييز الغث من السمين بين من يعتلون المنابر، ومثله التمييز بين الداعية الصادق الذي يخاطب وجدان الأمة، والمنافق المنظّر للحاكم والسائر في ركبه، ولو أن أركان سلطة الضفة يأخذون العبرة من جيرانهم العرب لوفروا على أنفسهم عناء عبثيا، وعلينا مشقة تحمّل مثل هذا الأذى المعنوي الذي يأخذ من رصيدهم أكثر بكثير مما يضيف إليه!
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع