جدول عادي شيء يبعث على الراحة والاستقرار يتسرب إلى قلبك وأنت تنظر إلى رسمه الذي سمح له بإخراجه من زنزانته الانفرادية بعد ست سنوات من اعتقاله حيث تشعرك انك إمام إنسان يحمل الشيء…
شيء يبعث على الراحة والاستقرار يتسرب إلى قلبك وأنت تنظر إلى رسمه الذي سمح له بإخراجه من زنزانته الانفرادية بعد ست سنوات من اعتقاله، حيث تشعرك انك إمام إنسان يحمل الشيء وعكسه في ذات الوقت دون اعتلال أو خلل في الشخصية .
هدوء ورقة ما بعدها رقة تنبعث من خلاله رسمه الذي تسرب من زنزانته وهو ذاته صاحب النفس الثائرة التي أوجعت المحتل وآلمته وهزت أمنه المزعوم .
سكينة ووداعة يستطيع أن يكتشفها كل من ينظر إلى هذه الصورة التي تعتبر من الصور النادرة لإبراهيم الفارس الهصور الذي كان يتخفى بطريقه مذهله والذي سجل فترة طويلة من المطاردة فكان يلاحق المحتل في جحره ويشكل قلق ورعب كبير للمحتل وفي ذات الوقت هو إبراهيم صاحب النفس الساكنة والروح والوادعة .
ما استطعت أن اخفي مشاعري وأنا انظر لصورة الأسير إبراهيم حامد الأخيرة والتي خرجت من قبوه مؤخرا هذا العزل الذي وضع فيه عنوة ، فذهبت أتحسس الصورة وادقق النظر في ملامحها وأحاول أن أقرأ الرسالة التي رسمتها قسماته ولمعان عينيه التي لم تكن موجه باتجاه آلة التصوير ولا السجان الذي يقف خلفها بكل كانت تنظر إلى أبعد من ذلك إلى فلسطين التي يعشق إلى سلواد التي احتضنته إلى بيرزيت التي أمضى فيها أجمل أيام عمره إلى أسماء التي تحملت الكثير الكثير فأسرت واعتقلت وأبعدت وحملت معها حيثما استقرت صورة حامد في قلبها ووجدانها.
أسماء التي قالت لي أنها بفارغ الصبر تنتظر صورة إبراهيم فهي بعد كل هذه السنين التي حرمت من رؤيته والالتقاء به وقبل ذلك سنين المطاردة والاختفاء واقتحام المنزل والتهديدات وترقب ساعة قد تأتيها تحمل نبأ استشهاده ، كانت تتابع الأخبار ساعة بساعة لعلها تحمل لها خبرا عن الحبيب المقاتل والزوج الحنون ، وهو ذاته ما تفعله اليوم بالأردن إذ تبحث كما قالت لي عن أخبار إبراهيم من خلال المواقع المهتمة بالأسرى ومن خلال محركات البحث أو اتصال من محامي ينقل لها سلام أو رسالة قد تصلها بعد شهر من كتابتها إن لم يكن أكثر.
عيون إبراهيم التي كانت تنظر إلى سلمى ابنته يخاطبها من خلالها والتي ستجدد ذاكرتها بوضع هذه الصورة مكان الصورة القديمة والتي يزيد عمرها عن العقد ، عيون إبراهيم تقول لسلمي لا تنظري للشيب الذي كسا لحيتي وراسي فما زلت قادر على حملانك ومداعبتك والجري خلفك صغيرتي الحبيبة فما زلت قويا وسأبقى بإذن الله .
هي ذات النظرة ولكن بشكل آخر وفي صورة أخرى حيث كان يقف وقفة الأبطال يخاطب برسمه روح علي الذي يشبه والده في كل شيء ويحاول أن يتقمص شخصية أبيه البطل فبعد أن شاهد صورته أبيه ذهب لغرفته ووقف أمام المرآة وقلد وقفت أبيه فرفع رأسه وشد صدره ونظر بذات النظرة نظرة الصقر المتأهب دوما والذي ينتظر ساعة الخروج من الأسر وضم أحبابه تحت جناحيه.
كل هذا وأكثر يمكن ان تنطق به صورة الشيخ إبراهيم الذي زينة جبينه الذي ما طأطأ لمحتل بصمة السجدة فوسمته بوسام التقى -نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحد- كما أن ابتسامته الهادئة تدل على استقرار وطمأنينة وراحة نفس وعدم اكتراث بكل ما يقوم به السجان من محاولات قتل روحه وتدمير نفسه وسرق بسمته.
وقفت إبراهيم وصورته وهو ممشوق القوام وتهذيبه لحيته وعنايته باختيار ألوان ملابسه التي أكاد اجزم انه لا يملك غيرها ، وبنطاله الذي حرم من وضع (القشط) أو الحزام الذي يشد به الوسط لأنه في عرف السجن والسجان ممنوعة مثل هذه الأمور كي لا يتم تحويلها لسوط يضرب به سجانيه أو يخنق به من يعتقله ، والحذاء الرياضي الذي يرتديه كلها تشير إلى أن إبراهيم مازال قويا متأهبا جاهز للخروج فقط ينتظر الساعة التي تفتح خلالها بوابات السجن ليعود ويلتحم مع الوطن والأحباب.
إبراهيم المفكر والأستاذ والشيخ والمجاهد والمقاتل صاحب العيون الجميلة والنظرات التي تأسر السجان وترعب المحتل بعد كل هذه السنين التي أمضاها في العزل وبعد كل هذا الحرمان من الالتقاء بزوجته وبنيه وبعد كل هذا الظلم الذي وقع ويقع عليه ما زال يبتسم ، فالبسمة سلاحه الذي يقاتلهم به الآن فهم يريدون أن يروه حزين مكتئب مريض عليل يشكو الوهن والتعب ويسأل الرحمة والشفقة ...
إبراهيم ما زال يبتسم وما زال قادرا على الوقوف وعيونه ترسل المراسيل ولا أخال نفسي الوحيد الذي سيجد حقيقة ما كتبت من خلال رسم إبراهيم بل سيراها كل من سينظر الصورة فالرجاء التوقف قليلا والنظر إلى رسم إبراهيم والتمعن في حديث عيونه وطريقة وقفته وأسنانه التي أرانا إياها رغم كل ما يعانيه.
سمحت لنفسي أن تحلل الصورة وسمحت لنفسي أن أتحدث على لسان إبراهيم وسمحت لنفسي أن امضي الوقت الطويل أمام هذا الجبل الشامخ والروح المحلقة والتي اشهد الله أني أحبها الحب الكثير.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع