لماذا العُدوان على غزة مجدداً؟

لماذا العُدوان على غزة مجدداً؟

د.عصام عدوان
2011-04-16

جدول عادي منذ حرب الفرقان لم تشهد غزة تصعيدا يهوديا كالحاصل اليوم والبعض لا يرى فيه محاولة لشن حرب جديدة بقدر ما هو تصعيد له أهدافه السياسية والعسكرية التكتيكية سنحاول تلمس أهداف…

منذ حرب الفرقان لم تشهد غزة تصعيداً يهودياً كالحاصل اليوم، والبعض لا يرى فيه محاولة لشن حرب جديدة بقدر ما هو تصعيد له أهدافه السياسية والعسكرية التكتيكية. سنحاول تلمُّس أهداف ودوافع العدو اليهودي في فلسطين التي يرجو تحقيقها من هذا العُدوان الجديد:

أهداف عسكرية وإستراتيجية:

1- يندرج هذا العُدوان، في أحد أبعاده، ضمن أسلوب الاستطلاع بالقوة، الذي تلجأ إليه الجيوش والقوى المقاتلة لجمع أكبر قدر من المعلومات العسكرية والقتالية عن العدو من خلال خلق مواجهة معه. ويستطيع جيش العدو جمع معلومات مختلفة وهامة عن المقاومة من حيث: كثافة النيران؛ وهي مؤشر على حجم المخزون من الذخيرة. والتكتيكات القتالية، لمعرفة الأساليب الحديثة للمقاومة في مناورة العدو؛ وهي مؤشر على نوعية التدريب والخبرات التي حصلت عليه المقاومة خلال الفترة الماضية. ونوعية الأسلحة المستخدمة؛ مداها وفعاليتها ومواد صُنْعها. وطرق الإمداد ومخازن التزويد وكيفية عملها. وغير ذلك من معلومات كفيلة بأن تساعد العدو على وضع الخطة العسكرية المناسبة لمعالجة هذه القوة في أي حرب واسعة قادمة. ومن الأمثلة على ذلك أن قيادة جيش العدو في المنطقة الجنوبية قدَّرت بأن الصاروخ الذي أطلقته المقاومة على باص يُقِلُّ جنوداً حول غلاف غزة قامت به خلية مدربة جيداً، تعرف كيف تستخدم هذه الصواريخ ضد هدف متحرك من مسافة بضعة كيلومترات، وهو ما يشكل تنامياً نوعياً في القدرة القتالية. وكذلك رصد العدو لامتناع حماس عن إطلاق صواريخ دقيقة التصويب نحو أهداف مدنية في (إسرائيل)، وأنها اكتفت بإطلاق قذائف الهاون والقسام وغراد. وأنها بعد ذلك غيرت قواعد اللعبة وباشرت في تسديد صواريخ موجهة ودقيقة. وهو يُقدِّر بأن لدى حماس صواريخ من طراز فجر يصل مداها 60 – 70كم. الأمر الذي يقتضي من المقاومة العمل على تضليل العدو، ليبني إستراتيجيته القتالية القادمة على أسس خاطئة، ترتد عليه بالفشل، وعدم التسرع في تقديم كل قدراتها في معركة محدودة.

2- التعرف على إستراتيجية حماس وقوى المقاومة القتالية. وقد رصد العدو ازدياد معدل إطلاق الصواريخ في اليومين الماضيين بنسبة 25% (وفقاً لتقدير موقع تيك ديبكا الإسرائيلي). أي أنهم يرصدون وتيرة الرد ويحسبون حساباتهم على هذا الأساس.

3- التحقُّق من فعالية وقدرة منظومة القبة الحديدية التي تم نشر بطاريتين منها: واحدة في بئر السبع والثانية في عسقلان. ووفق مصادر (إسرائيلية) فقد تمكنت البطاريتان من اعتراض أربعة صواريخ غراد من أصل ثمانية أُطلقت من قطاع غزة تجاه عسقلان والنقب الغربي. وتعتزم (إسرائيل) إدخال أربع منظومات من القبة الحديدية إلى سلاح الجو بعد نحو عامين.

4- ويختبر الجيش الصهيوني منظومة (سترة ريح) التي جهَّز بها كتيبة الدبابات الأولى من لواء 401 والمتجهة نحو قطاع غزة منذ بضعة أشهر (وهذا إشارة واضحة على نوايا العدو المبيتة منذ ذلك الحين). ويستفيد العدو من تحقيق هذه المنظومة للتصدي لصواريخ المقاومة المضادة للدروع والدبابات. ويحاول أن يجد وسائل أخرى تنفع في حماية أهدافه المدنية كاللجوء إلى زراعة حزام من الأشجار في بعض المواضع حول غزة لمنع قدرة المقاومة على تعقُّب أهداف العدو وشل قدرتها على تسديد الأهداف بدقة كما حصل في استهداف الباص .

5- استنزاف المقاومة في غزة، بعدما تجمع لدى الجيش الصهيوني من معلومات عن تنامي قدرات المقاومة في غزة كماً ونوعاً.

6- محاولته لدفع حماس للقيام بدور رجل الأمن لمنع إطلاق صواريخ المقاومة من غزة. ولذلك فهو يحمِّل حماس مسئولية كل الصواريخ التي تطلقها فصائل المقاومة.

7- منع حماس وقوى المقاومة في غزة من تغيير الأمر الواقع الذي فرضه جيش الاحتلال على المناطق الحدودية، حيث فرَض منطقة عازلة بحدود ثلاثمائة متراً إلى داخل حدود القطاع، كمنطقة عسكرية يُمنع التواجد فيها.

8- خلق حالة من الإرباك المستمر في صفوف فصائل المقاومة في القطاع لإجبارها على عدم الخروج من دائرة التفكير برد الفعل.

9- استهدف العدو قتل أطفال ونساء وشيوخ، وأطلق قنابل من الفوسوفور الأبيض، وجميعها تكتيكات استخدمها خلال حرب الفرقان، ويكررها، ليتعرف على ردة فعل جميع الأطراف الفلسطينية والدولية تجاهها، ولخلق حالة من الاستمراء والاعتياد عليها، بوصفها من متطلبات توفير الحماية اللازمة (لإسرائيل).

10-    استهداف العناصر الفاعلة من رجال المقاومة، بما يربك تكتيكات المقاومة وخططها، ويفقدها خبرات مؤثِّرة.

أهداف سياسية:

11-  قطع الطريق على جهود المصالحة الفلسطينية التي تشهد مؤخراً حراكاً إيجابياً لإنهاء الانقسام. ودفع قيادة حماس وقوى المقاومة والحكومة في غزة للاختفاء أو تعريضها للاستهداف، ابتغاء شل قدراتها السياسية.

12-    اختبار الموقف الدولي ومدى جهوزيته لإدانة العُدوان، بعد ما تعرَّض له تقرير غولدستون من أخذ وردّ.

13-  إظهار الشكوى أمام المجتمع الدولي والأمم المتحدة من (إرهاب) غزة، تمهيداً لمنع أي تعاطف مع غزة عندما يقرر الاحتلال شنَّ عُدوان موسع عليها.

14-  مع اقتراب استحقاق إعلان الدولة الفلسطينية في سبتمبر المقبل، حرِص العدو على تصوير غزة كمصدر قلق له ينتفي معه قيام دولة فلسطينية تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالطبع لن يسمح بقيامها في الضفة وحدها. وعليه: إما القضاء على حماس ومن ثمَّ تقوم الدولة الفلسطينية في الضفة وغزة، أو يتفهم العالم امتناع إسرائيل عن الاعتراف بدولة تشكل خطراً على (إسرائيل) وتهاجمها من غزة.

15-  محاولة لجر المقاومة إلى المواجهة الموسعة مع الاحتلال ابتغاء تسديد ضربات قاصمة لها استباقاً لما قد تشهده المنطقة العربية من عمليات دعم وتبني للمقاومة الفلسطينية، وكمتطلب سابق على قيام الدولة الفلسطينية في الموعد المقرر لها في سبتمبر المقبل.

أهداف معنوية:

16-  لإعادة قوة الردع الإسرائيلية وترميمها في ظل تغيرات إقليمية جديدة أوجدتها الثورات العربية، في محاولة من العدو لتثبيت حق إسرائيل في الردع والدفاع عن نفسها بكل السبل على مرأى ومسمع من الأنظمة العربية، ولاسيما الحديثة منها.

17-  لتمكين المستوطنين في غلاف غزة من العيش بهدوء، وإعادة ثقتهم بجيشهم وحكومتهم. وذلك بمنع إطلاق الصواريخ من غزة. فبالرغم من أن صواريخ المقاومة ليست ذات قدرة تدميرية كبيرة، إلا إنها تُحْدِث فزعاً ورُعباً لا يقوى المستوطنون على تحملهما، وهو ما يؤدي إلى إرباك الحياة الاقتصادية والتعليمية، ويشجع المستوطنين على الرحيل إلى مناطق أبعد وأكثر أمناً، ويحول دون قدوم مستوطنين جُدُد للإقامة في محيط غزة.

18-  تعزيز حالة اليأس والضجر لدى سكان قطاع غزة من إمكانية الحصول على حياة هادئة ومستقرة، بما يُسْهم في توفير أجواء لبعض الأطراف للعمل ضد حكومة حماس، وإثارة المشاكل لها.

أهداف اقتصادية:

19-  روَّجت (إسرائيل) لمنظومة القبة الحديدة وأظهرتها وكأنها الحل الناجع لصواريخ المقاومة وصواريخ غراد، وأعلنت عن استخدامها للمنظومة على نطاق تجريبي ضيِّق في هذا العُدوان الجديد على غزة، وذلك ابتغاء تسويق هذه المنظومة الجديدة تمهيداً لعقد صفقات في أفغانستان والعراق ومناطق التوتر في العالم، بادعاء أنها أسلوب ناجح وغير مسبوق.

20-  وبنفس القدر فهي تروِّج لمنظومة سترة الريح لحماية الدبابات من الصواريخ المضادة للدروع، وتدعي نجاح استخدامها من أجل تسويقها عالمياً.

21-  وهي تكرر استخدام الفوسوفور الأبيض لتعطي انطباعاً بأنه أسلوب ناجح في التصدي للقوى المضادة لها على الأرض، ومن ثمّ تعمل على تسويقه في العالم بالشراكة مع الولايات المتحدة.

22-  وفي ظل الحصار المشدَّد المفروض على غزة، تُدرك مدى صعوبة تزوُّد المقاومة بالسلام والذخيرة والحديد اللازم لصناعة الصواريخ، فهي تعمد إلى استنزاف مخزون السلاح والحديد من أيدي المقاومة، وتكبدهم خسائر باهظة لا يسعفهم التمويل المقطّر من إعادة التسلُّح بالسرعة المطلوبة.

23-  وفي الوقت الذي تحاول حكومة حماس من النهوض بأنماط الإنتاج المحلية، يعمد العدو إلى استنزافها، لإفشال تجربتها في الحكم، وهذا مدخل هام من مداخل إسقاط حكومة حماس يُضاف إلى المدخل العسكري.

إن معرفة المقاومة لأهداف ودوافع العدو من وراء هذا العُدوان الجديد، يساعدهم حتماً على رسم السياسات المناسبة للتصدي له، وإفشال مهماته، بالحكمة، والحزم، معاً.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026