في ذكرى اعتقال نائل البرغوثي ال34 أي عار هذا الذي أصابنا

في ذكرى اعتقال نائل البرغوثي ال34 أي عار هذا الذي أصابنا

فؤاد الخفش
2011-04-04

جدول عادي اعتدت في كل عام وفي مثل هذا اليوم أن أكتب عن ذكرى دخول هذا الهمام عاما جديدا في الاعتقال وكنت أنهي مقالي بأمنية أن يكون هذا العام آخر عام لعميد الأسرى الفلسطينيين والعرب…

اعتدت في كل عام وفي مثل هذا اليوم أن أكتب عن ذكرى دخول هذا الهمام عاماً جديداً في الاعتقال ، وكنت أنهي مقالي بأمنية أن يكون هذا العام آخر عام لعميد الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال ، ولكن الحقوق لا تعود بالأماني والتمنيات.

وترددت كثيراً هذه المرة أن أكتب عن هذه الذكرى لست لأني غير قادر على صف المفردات ووصف الرجل ولكن لأني شعرت أن نائل أصبح يوماً وتاريخاً كما هو يوم الأسير وأن الحديث عنه أصبح موسمياً يفعل في يوم وينتهي مع غروب شمس ذلك اليوم .

ولكن مكالمة أتتني من هذا الرجل الذي ما أن سمعت صوته وعرفت أنه هو نائل حتى ارتعدت فرائصي وبت أتحدث له بصوت عالٍ أصرخ فرحاً وأتحرك بكل الاتجاهات لدرجة أن ابني الصغير كان يضحك من تصرفاتي ويبادل الصراخ بصراخ ويكرر ما أقول من كلمات فسألني نائل صوت من هذا فقلت له هذا ولدي البكر (ناظم) فقال لي حفظه الله فشكرته وقلت له العقبى لك فابتسم وقال الأمل بوجه الله لا ينتهي وربك هو الكريم والقادر.

تغير جو المكالمة مرة واحدة بعد هذا الانقطاع الذي أحدثه صغيري وكأن الأبوة تحركت في جسد نائل الذي شاب شعر رأسه ولم يشب قلبه وبقيت غريزة حب الحياة والإنجاب تتحرك .. يحركها أي موقف أو حدث أو مناسبة أو ذكرى.

قاطعته محاولاً أن أغير الأجواء وأعيدها فقلت له ما هي المراسم والطقوس التي تنوون القيام بها احتفالاً بهذه الذكرى ودخولك هذا العام فقال لي الشباب أعدوا لي (كعكة والمشكلة أنه لا يوجد لدينا شمع بهذا العدد فقرر الشباب أن يأتوا بالعدد أقلام رصاص فكما تعلم أن الطقوس يجب أن تبقى كاملة وأهم شي في الاحتفال الشمع وإطفاء الشمع ..

طلبت منه أن يكمل فقال هناك قميص كان معي من تاريخ اعتقالي مازلت محتفظاً به سأرتديه لأنه كان آخر ما امتدت له يد أمي وقت اعتقالي حينما أمسكت بي محاولة منع الجنود من أسري ولكن محاولاتها باءت بالفشل ومضيت معه ومازلت قيد الأسر أما أمي فقد توفاها الله بعد ولحقت بأبي الذي انتقل أيضاً إلى جوار ربه ...

قلت له رحمها الله أم عمر لقد كنت محباً لها وعلى علاقة طيبة وحدثته أني كتبت عنها مقالاً فيما مضى من زمن فقال لي لقد ماتت وكان تتمنى أن أخرج وأنجب ولداً وتضعه بين يديها وتغني له أغنية نسميها بالعامية (هدهده) فقد كانت أمي رحمها الله تغني لي على شباك الزيارة وتغني لأودلاي كان ذلك قبل ما يزيد عن العشرين عاماً.

قلت له أبا النور أشهد الله أني أعلم ما تشعر به من ألم ولا أريد أن أحدثك عن حب الناس لك وعن مدى ما تمثله فأنت رمز الحرية قاطعني غاضباً وقال ليس لهذا اتصلت عليك ولا لهذا أردت الحديث معك ولا أريد أن أسمع كلاماً لا يسمن ولا يغني أريد فقط أن أطمئن عليك وأعرف أخبارك شكرته وقلت له يا نائل أقسم بالله أن وجودك في السجن عار أصاب ويصيب كل مسلم وعربي وفلسطيني يا نائل نحن الأسرى وأنت الحر يا نائل والله لا كرامة لفلسطين ولا سيادة لنا وأنت أسير قاطعني وقال لي شكراً لك واسمح لي فقد انتهى وقتي سأتحدث لك لاحقاً ولكن أعدك أن تكون قبل ذكرى دخولي عامي ال35 وقهقه ومن ثم سألني كم عمرك الآن يا فؤاد فقلت له بصوت منخفض 35 عاماً فابتسم وقال لي يعني أولاد جيل أنا وأنت وانتهت المكالمة ... وبقي صوت نائل يرن في أذني فكتب هذه السطور التي أرى ما بين السطر والآخر قصة وحكاية ...

نائل لم تعد السنين تعني له شيئاً ، نائل لم يعد القيد يؤلم معصمه ، ولم يعد يشتاق لرؤية الشمس تشرق والنجم يتوسط السماء ، نائل قال لي ذات مرة أنه أول مرة شاهد فيها النجوم كانت بعد سبعة عشر عاماً من اعتقاله وقال لي يومها حاول أحد الأسرى الهروب فأخرجونا للساحة من أجل التفتيش وكانت منتصف الليل فتطلعت للسماء فإذا النجم يتلألأ في كبد السماء تركت كل شيء وبت أمتع ناظري في هذا المنظر الذي اشتقت له وأقسمت إن خرجت أن أنظر للسماء كل ليلة لعلي أعوض ما فاتني من منظر خلاب...

نائل اليوم ذكرى اعتقاله ودخوله عامه الجديد تفتح لنا سؤالاً كبيراً وجديداً .. حتى متى سيبقى نائل ذكرى وسنوات تمضي ، حتى متى سنبقى نداري عارنا سؤال لن يجيب عليه أحد لأن الكل عاجز ومقيد ونائل وحده حر أبيّ فتيّ شاب شعره ولم يشب قلبه فلك الله يا سيد الرجال...

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026