جدول عادي قلبت صفحات الأخبار في المواقع الالكترونية فلفتت انتباهي رسالة أسير من سجنه غصت بين سطورها وتجولت بين حروفها فإذا بي أقف أمام جبل صخر صامد ضاربا بالأعماق جذورا لا تقتلع…
قلبت صفحات الأخبار في المواقع الالكترونية, فلفتت انتباهي رسالة أسير من سجنه, غصت بين سطورها وتجولت بين حروفها فإذا بي أقف أمام جبل صخر صامد ضاربًا بالأعماق جذوراً لا تقتلع ولا تهتز من ريح عاتية مهما علت وارتفعت واشتدت قوتها وارتفع صريرها.
هي روح الأسير الذي غيبته جدران الزنازين عن عالم آخر تدب فيه الحياة بكل ما فيها من حزن وفرح, من جنازة شهيد وزفة عريس, من صوت قصف لطائرات, وارتفاع صوت الآذان في المساجد, عن الحياة التي نعيشها بحلاوتها ومرارتها.
كلمات نقشت على جدران القلب ليتعمق بها العقل وليعيش لحظات أسر يحياها أبطالنا خلف قضبان الطاغوت والظلم, قضبان من قهر وحرمان, وإعدام للروح بزنازين العزل الانفرادية, لتبقي الجسد هامداً بلا حياة.
هذا هو العدو المحتل كما عهدناه عبر عقود من الزمن, وها هو الأسير الفلسطيني الذي غاب خلف القضبان لسنوات؛ بل غاب بعضهم لعشرات السنوات, وهو صامد كجبل أشم بوجه ريح عاتية لا تستطيع كسر إرادته وصموده مهما بلغت سرعتها وقوتها.
خاطب الأسير الفلسطيني "حسن سلامة" برسالته – التي عرضت عبر وسائل الإعلام- الإنسان صاحب القلب والروح المرهفة, الإنسان الذي يعيش بين الأحياء لا بين قبور وأموات, هذا الأسير البطل الذي سطر بأسره رمزًا جديدًا من رموز الأسرى الفلسطينيين الصامدين, بصبره وإيمانه وقدرته على قهر أعدائه حتى وهو خلف القضبان. لم يستطع السجان أن ينال من عزيمة تتجسد في أرواح أسرانا؛ فهو يجهد نفسه في البحث عن وسائل أخرى لا تخطر ببال بشر من أجل تدمير أسير زلزل أمنهم, وضرب بمقاومته أعظم ملحمة رسمت لشعب أراد الحياة, وعلى مر العقود قاوم وناضل ولم يستكن.
شعب لم ينحن برغم ما ناله من جراح, وفقدانه لشهداء أحباء, وغاب عنه أسرى أوفياء لقضيتهم ووطنهم, ووهبونا حياتهم ليكونوا لنا وقودًا كي نستمر في نضالنا وتحرير وطننا الذي اغتصب عنوة أمام عالم أشاح بوجهه وناصر الظلم والطغيان, واعترف بمحتل غادر متجبر أقام كيانه الزائف على أنقاض شعب حي لا يقبل الموت رافعًا راية بيضاء.
شعب ما أرهبته عصابات القتل ورصاصات الحقد, ولم تخفه قضبان سجن يحيا به ليبقى الأمل لدينا, وعيوننا تخترق جدران السجن وتخرج حرة طليقة تقلب صفحات دفاتر الذكريات وتعيد لنا ابتسامات مشرقة, لنعيش من جديد في كل بارقة أمل, وشعاع نور يزيد من قدرتنا على الصبر والثبات.
إنه الشعب الفلسطيني الذي عاش المحن والألم, وعرف بحبه للشهادة والمقاومة, ليعيش "طريدًا أو أسيرًا أو يلقى الله شهيدًا أو يعيش عرس الحرية والنصر" حينما ترتفع رايات فلسطين خفاقة على مآذن القدس وليعود الوطن حرًا طليقًا من عبودية احتلال استعبده فرفض إلا أن يكون حرًا.
لقد كانت رسالة الأسير "حسن سلامة" تمثل رسالة عن الحركة الأسيرة بالكامل حيث تجمع بين الإنسانية والعاطفة الجياشة التي تدب في قلوب أسرانا, وبين صمود مزلزل للأعداء يصور أسرانا بجبل صخر لا يتزحزح من مكانه ولا يبالي بريح مهما بلغت في بطشها.
إننا نصغر أمامكم أسرانا البواسل ونكبر شامخين بصمودكم وصبركم بما قدمتموه من سنوات عمركم قربانًا ليكمل الشعب مسيرته بالتحرر من كل قيد ويعيش الحرية والانتصار.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع